لا غرابة في أن تعمى حمّالة الحطب عن الرسول وهو منها تحت العين فلا تراه ، ولا أن يسمع الحكم بن أبي العاص ذلك الصوت المنذر الآتي من المجهول ، ولا أن يرى أبو جهل خندق النار .
لا غرابة ، فهذه كلّها ظاهرات عادية صادقة ، سواء أُرسمت بأحرفٍ من أبجدية الماديات أم من أبجدية المعنويات ، وسواء أعُدّ حدوثها فيالمألوفات أم عُدّ في الأعاجيب ، فإن تكن الأولى فذاك ، وإن تكن الثانية فالمعجزات بعض عدّة الأنبياء ، ومع ذلك نراها طبيعيةً مألوفةً لم تكسر النواميس البشرية المعروفة .
لكنّ طائفةً استأسرهم التفكير « المادي » فافتتنوا بالتمسّح بالعلم ، يزعمون أنّها ليست سوى ضرب من تزيّد الرواة ، وهرف « 1 » الخُرافة ، وخمار « 2 » الخيال ، من ثَمَّ فإنّهم باسم النظرة العلمية يدخلونها في مجال المحال .
لأولئك لابدّ أن يقال : إنّ حقائق العلم الثابتة تدحض ما يزعمون ، فالأمور على إطلاقها لا ينبغي أن تُترجم إلى أرقام وأعداد ، ولا أن تُقاس بالشبر والفتر ، أو توزن بالدرهم والمثقال .
والنفس الإنسانية أفسح رحاباً من أن تضيق إلّابالقدرات الحسّية الخمس : العين والأُذن والجلد والأنف واللسان .
فوراء الشعور لا شعور ، ووراء المنظور مستور ، والقوى الظاهرة المادية ليست وحدها ما يشكّل سلوك الأشخاص ، ويطوّر حركة الأحداث ، إنّما القوى الخفية المعنوية تساندها ، وتمكّن لها في البروز والظهور ، بل الحقّ القول بأنّ المعنويات هي خاصة الدور الأول والأصيل في التشكيل وفي التطوير .
فلقد تحارب فيفوتك النصر وتبوء بالخذلان ، وربّما تستسلم قبل أن يلتقي
هامش
( 1 ) . الهَرف : المدح بلا خبرة ، ومنه يقال : لا تهرِف بما لا تعرف .
( 2 ) . الخُمار والخَمار : كثرة الشيء وزحمته ، يقال : توارى الصيد عني في خمار الوادي ، أي في شجره الكثير المزدحم .