السلاح بالسلاح ، وربّما تفرّ من الميدان ، ذلك لأنّك لا تملك غير المظهر الخارجي للمحارب ، وإنّه لغثاء « 1 » : تفتقر إلى القدرة الداخلية المعنوية التي تلهمك الثبات ، وتساند عتادك لتضرب وتصول وتجول ، يعوزك الإيمان الوثيق بما تحارب من أجله وتناضل عليه .
وهل أوهى روحاً ، وأضعف عزماً ، وأوهن شكيمةً « 2 » من مقاتل لا يؤمن بهدفه ؟
كذلك كان حال قريش وهي تحاول الكيد لمحمد والنيل منه ، بحسّها الظاهر كانت تخدع نفسها وتوهمها أنّها عليه قادرة ، بينما كانت بحسّها الداخلي موقنة أنّها تخوض معركةً خاسرةً .
وليس شيء أشدّ وبالًا على صاحبه من التزوّد في مواطن الجدّ والصراع المصيري بالأوهام ، فحشودها مفتريات ، وعتادها ادّعاءات .
يقولون : كاهن ، وإنّهم ليعلمون أنّه ليس على شيءٍ من زمزمة « 3 » الكهّان ، ويقولون :
مجنون ، وهم يدركون أن ليس يضارعه رشيد بين أرشد الراشدين ، ويقولون : شاعر ، وما نظم وشعر ، بل أتاهم بقرآن مجيد من عزيز حميد ، يعجزهم الإتيان بآيةٍ من مثله وإن شرعوا لهذا أقلام الإنس والجنّ مجتمعين ، ويقولون : كاذب ، وهم الذين لقّبوه الصادق الأمين ، بل يؤمنون أنّه على خُلُق عظيم ، وأنّه جاءهم بما يشفي الصدور ، وينير القلوب ، وينزّه العقول أن تمتهنها عبودية حمقاء لأصنام يعرفون أنّها عمياء صمّاء خرساء ، لا تملك لنفسها ولا لهم نفعاً ولا شفعاً ، فلا هي تمنع ضرّاء ولا هي تنعم بجزاء .
فكيف يغني عنهم ما زيّفوا من أوهام ؟ وهل يجدي عليهم سلاحهم المفلول « 4 » ؟
هامش
( 1 ) . الغثاء : الاضطراب .
( 2 ) . الشكيمة : الأَنَفة ، يقال : فلان شديد الشكيمة ، أي أَنُوف أَبيّ لا ينقاد . والشكيمة : الطبع .
( 3 ) . الزَمْزَمة : الصوت الصادر عن الخياشيم والحلوق ، من غير استعمال اللسان والشفة ، وقيل : هو الصوتالصادر من بعيد وله دويّ .
( 4 ) . المفلول : المنثلم .