ارتدّ إلى أخته مرعوباً يلهث ، كأنّما كان يفرّ من جانّ .
وسألته وقد حسبته قد أنجز وعده : أقتلته ؟
فردّ كمن يحشرج ، وأنفاسه المبهورة تمزّق عبارته : أيسرّك يا أُخيّة أنّ رأس أخيك في فم ثعبان ؟
قالت وهي في عجبٍ منه : لا ، واللَّه .
قال : كاد ذلك يكون الساعة ، وقصّ عليها أنّه وهو يتسلّل بسيفه راعه أنّ أُفعوُاناً ضخماً ، فاغراً فاه ، يهمّ أن يلتقم رأسه لو أنّه دنا من الرسول .
* * * لكن ما قاله لم يفلّ من حقد المرأة ، وكأنّما سمعته بأُذن مخروقة ! في كلّ لحظةٍ من حياتها كان غلوّها في حقدها على محمد لا يفارقها ، ولا تستطيع النزوع عنه ، كأنّه لها طعام وشراب وهواء .
فما استبدّت بها سخيمتها « 1 » تولول بين جوانحها وتزأر ، إلَّاشهقت وزفرت بغضها على الملأ ، فجأرت بسبّ الرسول وعيب دينه والهزؤ به ، ثم مضت تلقي التراب والشوك والحَسَك « 2 » عليه ، وتحت قدميه ، حتّى تكون فاطمة - أغلب الأحايين - هي التي تخفّ إلى أبيها الكريم ، فتزيل عنه ما ألقت المرأة ، وترفعه من طريقه .
وما أطاق صدرها كتمان غلّها أن يظهر علانيةً لأهل مكة ، إلّامشت بالدسيسة سرّاً ، في جنح الليل ووراء الجدران ، بين محمد وقومه توسوس لهم ، وتغريهم به ، وتضيف في نفوسهم المريضة إلى ذخر حقدهم عليه .
كذلك ائتمرت بالرسول في ابنتيه رُقيّة وأُم كلثوم - وهما تحت ولديها عتيبة وعتبة - ائتمار قريش به ، إذ راح بعضهم لبعض يقول : إنّكم قد فرغتم محمد من همّه ، فردّوا عليه بناته فأشغلوه بهنّ .
ومضت تلوي عنان زوجها ، وتسوقه أمامها مسلوب الحول والإرادة حتّى
هامش
( 1 ) . السخيمة : الضغينة .
( 2 ) . الحَسَك : نوع من النبات الشائك ، وقيل : العظم الدقيق من السمك .