وماذا عساهم يصيبون من محمد بما أعدّوا ، وهو لا يطلب دنيا ، ولا يسعى إلى جاه أو سلطة أو مال ؟
إنّه اذاً الغني وهم الفقراء ، وإنّه القويّ وهم الضعفاء . كانوا يستضعفونه ولكنّهم كانوا يهابونه ، إذا مشوا إليه العداء غدت أفئدتهم هواء ، وإذا هاجموه رهبوه ، وفرّ طريقهم من تحت الأقدام ، كانوا كمن يقابل السيوف والسهام بأعواد من الحطب والهشيم ، كمن يقاتل الأطياف .
* * * فهم يناوئونه « 1 » وفي أخلادهم - بكلّ مقاييس القيم العقلية والخُلُقية والقبلية التي لا يختلف عليها منهم اثنان - يعلمون أنّ الجدير بهم أن يَدَعُوه وما هو فيه إن لم يكن الأجدر أن يساندوه ، وهم يحسّون في دخائلهم إذ يناوئونه أنّهم يخونون هذه القيم ويظلمونه وإن كانوا - حرصاً على ظهورهم بالتفوّق عليه ، وأنّه لفرد وهم أُمة ، ومخافةً على كبريائهم أن يعيَّروا بالتخاذل - قد جهدوا لكبت هذا الإحساس أن يفتضح للناس .
فما حيلتهم في وضعهم هذا الشاذّ ، الذي يشدّهم فيه إلى جانبين متعارضين :
اعترافهم بتلكم القيم وتنكّرهم لها في نفس الآن ، هذا يشدّهم إلى جانب وذاك يشدّهم إلى الجانب المضادّ ؟
لا حيلة .
إنّهم إذاً ليتمزّقون ، وإنّ نفوسهم لتنشطر وتنشقّ كلّما التقوا معه على خلاف ، ولا معدى لها عن الانشقاق ، وما اختزنوه في أعماقهم وكبتوه مآله الظهور ، فبعد الضغط الانفجار ، وكلّ ما استقرّ في قاع اللاوعي واللاشعور لا محالة سيطفو على سطح الوعي والشعور .
هامش
( 1 ) . يناوئ : يعادي .