فانبرى منهم أشقاهم : عقبة بن أبي معيط يقول : أنا أفعل ، واحتمل القذر فألقاه على النبي وهو ساجد ، فانفجروا ضاحكين .
ولم يرفع محمد من سجدته ، حتّى أتت الزهراء فطرحت عن ظهره تلك البقايا ، وهي تلحي القوم ، وتذمّهم بما هم أهله ، أمّا الرسول فما أن قضى الصلاة حتّى التفت إلى العصبة الحاقدة ، ثم رفع عينيه وكفّيه للسماء ، داعياً اللَّه :
« اللّهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف اللّهم ، عليك بأبي الحكم ابن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد ، وأُمية بن خلف . . » « 1 » .
وبهتوا . . . سيطر عليهم الوجوم فبدوا كالأصنام ، اختنقت ضحكاتهم في الحلاقيم ، ولم يبق فيهم عصب واحد إلّاانتفض بالفزع والارتياع .
ومع ذلك فلا يكاد يجنّهم ليل حتّى يتبدّد في أحلامهم ما لاقوا في نهارهم من ذلّة الفشل والانكسار ، ثم لا يكاد يطلعهم صبح حتّى تتجدّد خفّة عقولهم ، وتزداد مع ارتفاع النهار .
* * * ذات صحوة ، اندفعت أُم جميل زوج أبي لهب ، وهي شعلة من البغضاء والعداوة إلى النبي ، حيث يجالس عند المسجد الحرام - كمألوف عادته اليومية - بضعةً من أصحابه ، كانت قد سمعت أنّه أذاع في الناس أنّ ربّه أنزل فيها وفي بعلها كلاماً يقول :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ »
« 2 »
.
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم 3 : 1418 ب 39 من أبواب الجهاد ح 1794 وما بعده ، والإمام أحمد 1 : 417 كلاهما عن ابن مسعود . ويذكر أنّ في مسلم : « الوليد بن عقبة » وقد اتفق العلماء على أنّه غلط .
( 2 ) . المسد : 1 - 5 .