إنّها لتعجب لعقولهم كيف لا تهديهم والحقّ بيّن ! ولإصرارهم كيف يمدّ لهم في الغيّ ، والمشاهدة - فضلًا عن الفكر - تؤكّد لهم أنّهم يمعنون في الضلال ! !
المرّة بعد المرّة كانت ترى أو تسمع أنّهم يكيدون لأبيها ، ويمكرون به ، ويعدون عليه . . . والمرّة بعد المرّة كانت ترى أو تسمع أنّ كيدهم يرتدّ إليهم ، ومكرهم بهم يحيق ، وعَدْوهم يبوء بالإخفاق .
ولم تفدهم تجاربهم المرّة .
وكم جبهتهم الآيات !
* * * مرّ بهم يوماً يطوف بالبيت وهم جلوس ، فتغامزوا به ساخرين ، ثم مرّ ثانيةً فلمزوه وعابوه ، ثم مرّ ثالثة فزادوه لمزاً وغمزاً وسخريةً ، حتّى لقد اشتدّ غضبه واحتقن وجهه ، ولم يطق الصبر عليهم ، فواجههم يخاطبهم وصوته وعيد :
« أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفس محمد بيده ، لقد جئتكم بالذبح » « 1 » .
فروّعهم قوله ، واضطربت في أجوافهم شغاف قلوبهم رعباً وفرقاً ، حتّى لقد أطلّ فزعهم من أعينهم وإن حاولوا جاهدين أن يتماسكوا ويغشوا ملامحهم المكفهرّة بمسحة من الهدوء ، وقالوا كالنادمين : يا أبا القاسم ، انصرف ، فواللَّه ما كنت جهولًا .
* * * يوماً آخر لجّت بهم سفاهتهم لجاجة لم يملكوا لها دفعاً من فرط بغضهم له وحقدهم عليه ، وقد رأوه يصلّي ، وعلى مقربةٍ منهم فرث وروث ودم لجزور نحرها بعض الناس ، فحرّض أبو جهل مجالسيه : أيّكم يأخذ هذا القذر فيجيء به ، فإذا سجد محمد وضعه بين كتفيه ؟
هامش
( 1 ) . سيرة ابن هشام 1 : 289 - 290 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 : 276 . كلاهما عن عبداللَّه بن عمرو . و « الذبح » لعلّه مجاز عن الهلاك .