بعض تلهى بإثارة الفتن بين المسلمين ، وبعض هذا البعض كفّرهم واستباح دماء رجالهم ، وسبى ذراريهم ونساءهم « 1 » . والبعض راح يقاوم بما أوتي ، ومنهم من ابتعد عن الأصالة والارتباط بالتاريخ وبالمبادئ الأساسية ؛ لكن البعض ، وهو قليل ، راح ينادي بوحدة المسلمين وبالعودة إلى الأصول ، ومن هذا البعض المقدس الشيخ حبيب آل إبراهيم الذي نتحدث عنه .
لقد اقتنع الشيخ ( قده ) بأن إعادة إحياء النظام الإسلامي ، حسب الصيغة الصحيحة ، هي الحل لمشكلاتنا ، وأن بداية هذه الإعادة تكمن في توحيد صفوف المسلمين على مبادئ الإسلام . فلقد رأى الشيخ ( قده ) حالة المسلمين ، وشخّص ما يعانون منه ، ورده إلى أسبابه ، ثم ركّز على ما يوحّد المسلمين ، واقترح الوسائل العملية لذلك .
تشخيص الشيخ لحالة المسلمين
يرى الشيخ حبيب ( قده ) : " أن المسلمين على كثرتهم لا يزالون مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان . . أجسامهم متجاورة ، وقلوبهم متنافرة ، يحطم بعضهم بعضا ، ويضرب بعضهم رقاب بعض بلا سبب وعلى غير ذنب . . ( الأمر الذي جرّ ) إلى الويلات من تطاعن وتطاحن ، إلى جهل وحرمان " « 2 » .
ولما كانوا على هذه الحال فقد تسلطت عليهم الدول الكبرى ، وإذا بهم " يُستَعبدون ويُستَعمرون " « 3 » ، وإذا بها تخطب ود هذا القطر ضد ذاك . يقول : " تخطب ود دويلات صغرى لتعتضد بها " « 4 » . وهذه الدول الصغرى من دول المسلمين على ما يقصد الشيخ حبيب .
إذاً أدرك الشيخ أن الاستعمار ليس وحده المسؤول عما حل بنا ، ذلك أن الاستعمار هذه طبيعته ، وإذا لم يتصرف على هذا النحو فهو متنكر لتلك الطبيعة . ومن هنا نكون نحن المسؤولين أولًا ، وعلينا يقع واجب البحث عن الخلاص .
ولعل الشيخ في هذا يتجاوز أولئك الذين يتجاهلون تقصير المسلمين وتفريطهم ، بإلقاء التبعة على الاستعمار ، دونهم ، تمهيداً للتملص من مراجعة المواقف ، بل والأفكار ، انسياقاً مع الهوى والتقليد . وهذا ما سوف يدفع الشيخ ( رحمه الله ) إلى التصدي لعلاج الحال بعد نقد ذاتي جريء سنوضحه بعد قليل .
هامش
( 1 ) - كتاب " الإسلام في معارفه وفنونه " ، مطبعة العرفان ، صيدا 1948 ، م 1 ، ج 2 ص 70 .
( 2 ) - كتاب " الاسلام في معارفه وفنونه " .
( 3 ) - المرجع نفسه .
( 4 ) - المرجع المذكور ، م 5 ج 3 ، ص 340 .