تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
الجيش ويتجمعون ، فيكتفي بنقاشهم دون أن يعمد إلى قطع عطائهم ، فهل تبلغ الحرية السياسية اليوم هذا المستوى ، مستوى مناقشة شريحة من المقاتلين لإقناعها ؟ إن أقلّ ما يُتخذ ضدها اليوم الاعتقال الإداري وإنزال أقصى العقوبات برؤوسها المدبرة والمحرضة . والحريات البدنية المتمثلة بمنع التعذيب وما إليه مضمونة ، فالإقرار لا يؤخذ به في حالات كهذه ، والسجن لا يستمر على ذمة التحقيق إلى فترة لا تتجاوز الستة أيام حتى في جرائم القتل . أما حق الملكية فهو أيضاً مقدس ، وقد تمسك به الإمام علي ( عليه السلام ) حتى في الحالات الاستثنائية ، وها هو يوصي " ابن قدامة السعدي " بأن لا يسخّر حماراً ولا بعيراً ولو ترجل وحبس ، وأن لا يستأثر بماء قوم دون رضاهم ، وذلك حين أرسله على رأس قوة لمطاردة " بسر بن أرطأة " الذي ضمّخ أرض الحجاز واليمن بالدماء . وحرية العمل مصونة وكذلك الحقوق الاجتماعية ، وسائر أنواع الضمانات ، كانت تتجاوز ما هو قائم اليوم في أهم دول العالم . أما لماذا لم يطبق هذا النظام ، فإن الجواب هو أن الواقع الاجتماعي لم يسمح به ، بل إن هذا الواقع سار في طريق من التداعيات وصلت إلى ما نحن عليه اليوم . إذاً هل كان النظام الإسلامي سراباً ؟ أم نظاماً ملائكياً لا يمكن للبشر أن يطبقوه ؟ الجواب ، إن البشر كان بالإمكان أن يطبقوه ، ولكن على أساس توفر شروط معينة . فما هي هذه الشروط ؟ تتلخص الشروط بوجود جماعة رسالية متساوية تتجاوز التاريخ والاجتماع بمشكلاتها ومعوقاتها ، فلا تخضع لدواعي المصلحة ولا للنزوات والشهوات . وهذه الجماعة عمل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على تكوينها ، ولكنها بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) دبت فيها العوامل المادية والقبلية وسائر النزعات الجاهلية ، وهي كانت لا تزال بعد طرية العود فامتلكت العقار وفجرت الأنهار على أساس اقطاع لم تراع فيه مبادئ الإسلام ، ولعبت برأسها شهوة السلطة بعدما رأتها تتداول بين أيدي أقرانها . ورغم المحاولات التي جرت لردها إلى الطريق السوي في عهد الإمام ( عليه السلام ) إلا أن قصر حكم الإمام ، ومن ثم اغتياله أوقف تلك المحاولات ، وفتح الباب على مصراعيه لكل النزعات الجاهلية لتعود ، وإذا بحكم العدل يعود إلى النمط الاستبدادي ، والذي سمي ، للأسف بنظام " الاستبداد الشرقي " ، الذي يستبيح فيه الحاكم إزهاق الأرواح ، والتحكم في الرقاب ، والاستئثار بالأموال العامة والخاصة ، كما في عصر تأليه الحكام . وفي ظل هذه الظروف نشأت التيارات الفكرية مستوحية بعضها من سيرة الحاكمين ، وبعضها من المبادئ الإسلامية ، ودب الخلاف فوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من الأوضاع المتردية التي دفعت بالأمة إلى حياة الذل ، وقدمتها لقمة سائغة لأعداء يفتتونها وينهبون خيراتها ، ويتحكمون بمصائرها . فماذا كان الموقف ؟