ولكن ربوبيتها لم تزل . فالربوبية بما هي تدبير للخلق وعلى رأسه الإنسان ، نظمها اللّه تعالى بحيث لم يبق من الأمور العامة التي تهم الإنسان ، ولا حتى الخاصة ، إلا نظمت إيجابياً أو سلباً . فما نص عليه فرض بموجب النص وما لم ينص عليه أولم يندرج تحت منصوص عليه فهو مباح على أساس مبدأ :
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها )
« 1 » .
وأهم ما نهى عنه الإسلام الظلم ، وأهم ما حض عليه العدل ، وهما الوجهان لموجب واحد . الظلم حسب المفهوم القرآني ، صنفان : ظلم للنفس ، وظلم للغير . وظلم النفس أن يخالف الإنسان التعاليم الإلهية ، أما ظلم الغير فهو أن يتجاوز الإنسان حدود اللّه في معاملة الآخرين . وهذا الظلم الأخير يزداد خطره كلما ارتفعت رتبة الشخص الذي يمارسه ، فإذا وصل إلى سدة السلطة كان ظلمه أفظع أنواع الظلم البشري .
والحاكم الظالم هو الذي يمارس سلطة ليست من حقه ، بل هي من حق اللّه وصلاحيته « 2 » ، فيتسلط على الرقاب والأرواح والأموال ، فيستعبد الناس عندما يلزمه ذلك ، ويدفع بهم إلى السخرة لبناء المعابد والقصور كأهرام مصر وقلعة بعلبك ، فيموتوا بعشرات بل بمئات الآلاف ، وهو يقتل من يشاء ممن يعتبر فيهم تهديداً لملكه أو رفضاً لأساليبه ، وربما لأسباب أتفه من هذه بكثير إلى جانب زج الناس في الحروب ، كما أنه يصادر الأموال كلما احتاج إليها .
ولقد نهى الإسلام عن ذلك فمنع استعباد الناس إلا الذين يقاتلون اللّه ورسوله ، مع الحض على العتق على نطاق واسع ، كما منع قتل الأشخاص أو إيذائهم إلا حدوداً في حالات محدودة كقتل النفس ، أو الفساد في الأرض « 3 » ، أو الزنا أو السرقة ، وما إلى ذلك ، ومنع مصادرة الأرزاق حاصراً حق المجتمع في المال بحصة نادراً ما تتجاوز العشرين بالمائة من الأرباح .
أما ما يسمى اليوم بالحريات العامة وحقوق الإنسان ، فقد تجاوزها الإسلام ، فهو لم يكتف بإباحة بعض الأمور للإنسان ، بل أباح له كل مالم يرد فيه نص - كما أشرنا - وكرّمه . وهذا أمر يرتقي به إلى خلافة اللّه في الأرض وتسخير المخلوقات له ، وهكذا تأتي الحريات العامة أو حقوق الإنسان التي ينادي بها اليوم متضمنة محصلة بسيطة للمكاسب التي منّ بها الإسلام على الناس .
فالحرية السياسية المتمثلة بالشورى والاختيار والمعارضة كانت مضمونة ، فهاهم المسلمون يختارون علياً ( عليه السلام ) فلا يجبر الإمام من لم يبايع على البيعة ، وهاهم الخوارج يتركون
هامش
( 1 ) - الطلاق / 7 .
( 2 ) - لقوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) آل عمران / 26 .
( 3 ) - يقول تعالى : ( من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ) المائدة / 32 .