وكان الاستعمار يركز في حركته على أمرين :
الأول : مسخ الشخصية الإسلاميّة ، وتحطيم المعنويات والقيم التي يتمتعون بها ، بل السعي في إذابة كل ما للمسلمين من فكر وعقيدة وسلوك وفلسفة . يقول كلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق : -
( ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ) « 1 » .
هكذا كان يفكر المستعمر في إبعادنا عن قرآننا الذي هو مصدر عزتنا وكرامتنا ، فلو ابتعدنا فإنه يستولي علينا ، والمقصود من ذلك : تعاليم القرآن التي تأمرنا بالوحدة وتدعونا إلى الجهاد ، لا القرآن مجرداً عن تعاليمه .
الثاني : جعل البلاد الإسلاميّةمركزاً تمويلياً لاقتصادهم وجعلها إقطاعيات زراعية ومناجم لبلدانهم وأن يسوقوا شعوبها بالتبعية من خلفهم .
كل هذه الأمور جعلت السيد جمال الدين ( ره ) أن يتخذ موقفه السلبي من هذه التحركات الحاقدة التي تخفيها من وراء وجهها الباهت .
يقول الدكتور محمود قاسم في كتابه ( جمال الدين الأفغاني ) عن ( العروة الوثقى ) :
كانت كراهية الإنجليز سمة من السمات الجوهرية في شخصيته ؛ ذلك أنه أيقن منذ عهدٍ مبكرٍ وعن تجربةٍ أن هؤلاء القوم يكنون للمسلمين عداء شديداً . . . كان لهذه الدولة الماكرة لذة من النكاية بأهل الدين . . . وكمال بهجتها أن تراهم أذلاء ، لا يملكون من أمرهم شيئاً ) « 2 » .
ومن أهم ما يميز الاستعمار البريطاني بصورة خاصة والاستعمار الأوروبي بصورة عامة هي سياسة ( فرق تسد ) وهي سياسة خبيثة نجحت فيها نوعاً ما حينما فرقت المسلمين بعد سلبها لأراضيهم وخيراتهم ، صنعت منهم دويلاتٍ صغيرةً لا تقوى على شيءٍ وأثارت بينهم غبار الفتنة ، وجعلت من نفسها مرجعاً لهم في حل مشاكلهم وقضاياهم .
ولنرى كيف كان السيد جمال الدين يتحدث مع ( بريطانيا العظمى ) عندما كان في الهند حيث التقى به مندوب الاستعمار :
( إنني ما أتيت لأضعف حكومة بريطانيا العظمى ، ولا أنا على استعداد للشغب ، ولكن تخوفها من زائر أعزل مثلي ، وتفريقها المتظاهرين من زواري - وهم أضعف مني - إنما يسجل على حكومة بريطانيا وهن عزيمتها ، وضعف شوكتها ، وضيق صدرها ، وعدم أمنها من حكمها وأنها -
هامش
( 1 ) - دمروا الإسلام أبيدوا أهله - جلال العالم .
( 2 ) - العروة الوثقى : 27 .