تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
تفتح البصائر على حقيقة الحياة التي عاشها والآثار التي تركها هذا الإنسان العظيم . . لقد رأى نفسه « درويشا فقيرا ، عابرا في هذه الحياة » ! وكان يناجي نفسه فيقول : « أنت أيها الدرويش الفاني ! مم تخشى ؟ ! . . اذهب وشأنك ، ولا تخف من السلطان ، ولا تخش الشيطان ! ! إنه سيان عندي طال العمر أو قصر . . فإن هدفي أن أبلغ الغاية ، وحينئذ أقول : فزت ورب الكعبة ! . . » « 1 » . تلك سطور موجزة في سيرة العظيم جمال الدين ! .

الاستنارة بالإسلام . . لا بالغرب

وإذا كانت الحديث عن ميادين الإصلاح ، الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني ، إنّما يحتاج إليه مجلدات - وهو قد كتب فيه الكثير - فإن مقاصد هذه الصفحات هي الإشارة إلى المنطلقات التي انطلق منها الأفغاني إليه هذا الإصلاح . فقبل عصره ، لم تكن هناك مرجعية للاصلاح والاجتهاد والتجديد والتغيير سوى الاسلام في سائر بلاد المسلمين . . فكل المذاهب كانت إسلامية ، وكذلك كان سائر المصلحين والمجددين . . لكن الأفغاني عاش وجاهد وسعى إلى الإصلاح في عصر اقتحمت فيه المرجعية الحضارية الغربية - الوضعية . . المادية . . اللادينية - أي العلمانية - ساحات ديار الإسلام . . وأصبح لهذه المرجعية الغربية - كما تمثلت في « فلسفة التنوير الغربي العلماني » دعاة وأنصار ومبشرون ، يدعون إلى استبدالها - في النهضة - بالإسلام ، ويفضلون الاستنارة بأنوارها على الاستنارة بالإسلام . لقد وجد الأفغاني نفسه أمام خيارين في « المرجعية النهضوية » ، وإزاء « نموذجين للتنوير » : ألف - التنوير الغربي - الوضعي . . وأحيانا المادي - الذي أقام قطيعة معرفية مع الموروث الديني ، وذلك عندما أحل فلاسفته العقل والعلم والفلسفة محل الله والكنيسة واللاهوت . . وأعلنوا أنّه‌لا سلطان على العقل إلّا للعقل وحده . . . وجاهروا بأن استخدام المصطلحات الدينية لا يعني التخلي عن هذه القطيعة المعرفية مع الدين . . « فبعد أن كان المسيحي حريصا على طاعة الله وكتابه ، ولم يعد الإنسان يخضع إلّا لعقله . . فأيديولوجية التنوير قد أقامت القطيعة الابستمولوجية ( المعرفية ) الكبرى التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية : عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس ( توما الأكويني ) ، وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير . . فمند الآن فصاعدا راح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلى المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته . وهكذا راح نظام النعمة الإلهية يتمحي ويتلاشى أمام نظام الطبيعة . . لقد أصبح الإنسان وحده مقياسا للإنسان . . وأصبح حكم الله
هامش
( 1 ) - الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ، 48 : 1 دراسة وتحقيق : د . محمد عمارة . طبعة بيروت 1979 م .