تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
ولقد ترجم له ، وتحدث عنه أعرف الناس به ، وأقربهم إليه : الإمام محمد عبده ، فقال ، ضمن ما قال : « هو السيد محمد جمال الدين ، بن السيد صفتر ، من بيت عظيم من بلاد الأفغان . . . حنفي حنيفي ، وهو وإن لم يكن في عقيدته مقلدا ، لكنه لم يفارق السنة الصحيحة ، مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية . . يمثل لناظره عربيا محضا من أهالي الحرمين ، فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولية سكنة الحجاز . . . وكان مقصده السياسي ، مدة حياته : انهاض دولة إسلامية من ضعفها ، حتّى تلحق الأُمة بالأمم العزيزة والدولة بالدول القوية ، فيعود للإسلام شأنه وللدين الحنيفي مجده . . أما أخلاقه ، فسلامة في القلب سائدة في صفاته ، وحلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع ، إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه فينقلب الحلم إلى غضب تنقص منه الشهب ! فبينما هو حليم أوّاب إذا هو أسد وثاب ! وهو كريم ، يبذل ما بيده ، قوي الاعتماد على الله ، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر . عظيم الأمانة ، سهل لمن لاينه ، صعب على من خاشنه . طموح إلى مقصده السياسي . . إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه - وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان ! . وهو قليل الحرص على الدنيا ، بعيد من الغرور بزخارفها ، ولوع بعظائم الأمور ، عزوف عن صغارها ، شجاع مقدام ، لا يهاب الموت ، كأنه لا يعرفه ! . إلّا أنّه‌حديد المزاج - وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة ! . . . إلّا أنّه‌صار في رسوّ الأطواد وثبات الأوتاد ! فخور بنسبه إلى سيد المرسلين - صلى الله عليه وآله - لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزا أمنع من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر . . ولو قلت : إن ما آتاه الله من قوه الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء ، لكنت غير مبالغ ! . . فكأنه حقيقة كلية ، تجلت في كل ذهن بما يلائمه ، أو قوة روحية ، قامت لكل نظر بشكل يشاكله ! . لقد أُتيت من لدنه حكمة أقلب بها القلوب وأعقل العقول . . ! وأعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم والأولياء والقديسين ! ! . . » « 1 » وإذا كانت هذه الكلمات - للإمام محمد عبده . . عن جمال الدين الأفغاني - هي سطور من الصفحات التي كتبها أخبر الناس بالأفغاني ، وأقربهم إليه ، وأعرفهم به وأنضج الثمرات لأطيب البذور والتي غرسها هذا الفيلسوف العظيم . . فلقد كانت رؤية الأفغاني لنفسه من البساطة بحيث
هامش
( 1 ) - الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده 336 : 2 - 345 . دراسة وتحقيق : د . محمد عمارة . طبعة القاهرة 1993 م .