العربية والتاريخ وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول وكلام وتصوف ، والعلوم العقلية ، من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية ، وحكمة نظرية طبيعية والهية ، والعلوم الرياضية من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك ، وأيضا نظريات الطب والتشريح ! » .
وبحكم الشتات الذي فرض على أسرته ، أتيحت له فرص الدراسة في « الحوزات العلمية » بالعراق ، والسياحة في الهند والإقامة حيناً من الدهر في إيران - مع الأسرة المهاجرة في « أسد آباد » .
ولقد أجاد من اللغات ، غير العربية والفارسية والأفغانية : التركية والفرنسية ، مع إلمام بالإنجليزية والروسية .
وفي ظل حكم الأمير الأفغاني الوطني « محمد أعظم خان » تولى جمال الدين منصب « الوزير الأول » - رئيس الوزراء - وقاد معارك حربية ضد الغزو الإنجليزي لبلاد الأفغان . . فلما هزم « محمد أعظم خان » ، وحكم خصمه ، الموالي للإنجليز ، « شير علي » بدأت سياحة جمال الدين في عالم الإسلام . . فتنقل من الهند إلى مصر إلى الآستانة إلى الحجاز إلى العراق إلى إيران إلى روسيا إلى باريس ولندن ، داعيا إلى الإحياء والتجديد للفكر الإسلامي ، والى إيقاظ الأُمة الإسلاميّة من سباتها ، وفك قيود الجمود والتقليد ، والإقلاع من التخلف الموروث إلى النهوض الإسلامي ، لمواجهة الإعصار الاستعماري الغربي الزاحف على ديار الإسلام . . وكان - في سبيل ذلك - مذكيا لمنهاج الشورى والحرية في إدارة شؤون الأُمة وتدبير سياسات حكوماتها ، وموقداً للثورات في وجه الاستبداد الداخلي والاستعمار الغربي الزاحف على الشرق الإسلامي . .
ومع إيمانه بدور العامة والجماهير في الثورة والإصلاح ، فلقد كان أبرز صناع النخبة والصفوة الإسلاميّة ، التي قادت حركة الجامعة الإسلاميّة على امتداد وطن العروبة وعالم الإسلام لعدة قرون ، مجدداً للفكر ، وقائداً لحركات التحرر الوطني ،
وداعية إلى الإصلاح الاجتماعي ، ومفجرا للعديد من الثورات . . حتّى لقد كانت صناعته الأولى هي صناعة الرجل !
ولقد كانت السنوات التي عاشها الأفغاني بمصر ( 1288 - 1296 ه - 1871 - 1879 م ) - هي أخصب السنوات في تاريخ إنجازاته الفكرية والسياسية . . ففيها ربي نخبة من العقول التي جددت فكر الإسلام وحياة المسلمين - وفي مقدمتهم الإمام محمد عبده ( 1265 - 1323 ه - 1849 - 1905 م ) - وشرح من كتب الفلسفة والكلام والمنطق ما أعاد للحياة الفكرية قسمة العقلانية الإسلاميّة ، التي غابت عنها منذ عصر التراجع الحضاري للمسلمين . . ونشأت على يده مدرسة في الصحافة الأهلية الحرة - غير الحكومية - وتيار شعبي لمعارضة الاستبداد الداخلي ، وللثورة على النفوذ الأجنبي - الاقتصادي والسياسي والعسكري - الزاحف على ديار الإسلام . . بل لقد عرفت
رجالات التقريب — صفحة 327
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص٣٢٧