بعد كل هذه الرحلة الطويلة والتنقّل في مدارس العلم عند الشيعة والسنة استطاع أن يتحول إلى رمز كبير في العالم الاسلامي ، وهنا يظهر من جميع ما تقدم أن الشهيد الأول كان يحضّر لمنهجية جديدة تخدم المسلمين عامّة ، مستفيداً من أوضاع مختلفة .
منها : مرحلة دولة المماليك التي لم تلتفت إلى الاختلاف المذهبي ، ولم تحرّض عليه وكل همّها التمسّك بالسلطة ، خصوصاً أن الحكام كانوا من الأميين .
ومنها : كما أسلفنا بقاء جزين خارج الاحتلال الصليبي ، واعتبار جبل عامل وجزين بالذات قاعدة لهذا المشروع ، وكون دمشق عاصمة للسلطة السياسية ، من جهة ، والأقرب للمعاهد السنية من جهة أخرى ، مما استوجب لحضوره هناك رادعا من اي تأثير خارجي على مشروعه الوحدوي النهضوي . من هنا : جاء رفضه لطلب حاكم خراسان علي بن المؤيد ، حينما دعاه إليها ، ليكون مرجع الشيعة هناك ، وذلك ليقينه بأن الأعباء في هذه المنطقة ، وما سيحصل من تداعيات لن يتمكن أحد من تحمّلها غيره
وملخص القول :
ان الشهيد الأول الذي ذهب إلى ولاية الفقيه العامة ، فهو بطل الوحدة الإسلامية ، ومؤسس الحوار بين المذاهب ، والرافض لفكرة رفض الآخر لمجرد الاختلاف .
رؤى التقريب بين المذاهب ، عند الشيخ زين الدين الجبعي ( الشهيد الثاني )
عند المطالعة في سيرة هذا الرجل العظيم تجدها مليئة بأحداث هامة على مستوى الأمة ، وفيها إستكمال لنهج أسّسه شيخنا وإمامنا الشهيد الأول : تقوية المذهب على أساس الحوار مع الآخر .
وتجد الشهيد الثاني يحمل مواصفات قل نظيرها ، فهو قائد مضحي وشجاع حكيم يتلمّس خطواته بعين ثاقبة ، الميزان فيها : رضى الله تعالى ومصلحة الناس : لم يكن الشهيد همّه طلب العلم لذاته ، حتى إذاماحصل على الحظّ الوافر منه إنطوى على نفسه ، وأحاطها بكمية هائلة من الممنوعات تحت عنوان : أنها لا تتناسب والمقام .
لقد أدرك الشهيد الثاني خطورة تلك المرحلة التي سوف تكون أشدّ إيلاما من الاحتلال الصليبي للمنطقة ؛ حيث كانت تواجه فيه عموم المسلمين ، بينما في الإمبراطورية العثمانية الخطر داخلي بين المسلمين أنفسهم ، حيث تترسّ العثمانيون خلف المذهب السنّي ، وجعلوه غطاءً لكلّ جرائمهم ، فكان لابد من وضع حد لهذا التترسّ من خلال مشروع يضمن وحدة المسلمين ، ويجمعهم على قواسم مشتركة ، على هذا الأساس نمت شخصية الشيخ الجبعي مواكبة لكل هذه التطورات ، ومتطلعة إلى نهضة علمية واجتماعية تكون مانعا من هذه الذهنية الخطيرة ، وهذا يتوقف على امرين :
رجالات التقريب — صفحة 301
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص٣٠١