هذه الأفكار الرائعة التي انطلقت من ذهنية الشهيدين لم تكن صدفة أو جاءت من فراغ ، وانما لها علاقة وثيقة بالبيئة البيتية والقروية والمناطقية ، ففي عام 729 ه - 1328 م ولد الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي الجزيني في قرية من قرى جبل عامل ( جزين ) وهي من أجمل قرى المنطقة « 1 » . المعروفة بشلالاتها الطبيعية وهضابها الجميلة ، وهي تقع على خط يفصل البقاع الغربي عن جنوب لبنان ، ولعلّها قديماً كانت بوابة جبل عامل في اتجاه دمشق ، ومن حسن القدر أنّ هذه القرية ظلّت خارج الاحتلال الصليبي لجبل عامل ، الذي دام ما يقرب زهاء قرنين من الزمن « 2 » . ممّا جعل منها قرية متنورة يجتمع فيها كل المناهضين للاحتلال الصليبي ، وفي نفس الوقت تكون فيها نواة مشروع بدأ يحضّر للمنطقة من خلال نفس بيت الشهيد .
وهنا سألخص حياة الشهيد الأول في محطات ثلاث .
المحطة الأولى : نشأته في جبل عامل
نشأ في بيت عرف بالعلم والتقوى ؛ فوالده الشيخ مكي بن محمد بن حامد الجزيني ، قال عنه الحر العاملي ، ( بأنه من فضلاء المشايخ في زمانه « 3 » وأيضا عبّر عن جده ( بأنه عالم ثقة ) « 4 » ، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا المناخ على شخصية الشهيد ونمط تفكيره وهو يشاهد ملة الكفر تستبيح أرضه وتقهر شعبه ، مما فرض على قسم من الناس أن يدينوا بغير دينهم ، من هنا كانت ذهنية الشهيد تتجاوز حدود القرية لتلامس حدود الأمة الإسلامية في جميع مذاهبها وألوانها فالخطر المحدق بها يتجاوز حدود كلّ مذهب منهم .
عمل الشهيد على أن يصبح رمزاً دينياً ، ورقماً صعباً في المعادلة العلمية والفكرية ، وجبل عامل في ذلك الوقت لا يستطيع أن يحقق له طموحه ، حيث لم يكن مستقلًا علمياً بسبب الظروف الأمنية ، التي كانت تعيشها المنطقة ، ولذلك بمجرد أن استنفذ الطاقات العلمية في جبل عامل غادرها إلى الحوزة الأم ، الحلة آنذاك ، وقال هذا كل من ترجم عنه في الأعيان وأمل الامل والروضات فالاحتلال الصليبي للمنطقة جعل أوضاع أهل هذا الجيل قاسية للغاية ، فكما ينقل السيد حسن الأمين عن تأريخ جبل عامل « 5 » : كان الناس يعيشون الغربة في أوطانهم ، ويدفعون الجزية إلى الأفرنج ويشاطرونهم الغلات ، ومع ذلك لم ينقطع وجود علماء فضلاء كانوا يقومون بدورهم التبليغي الديني .
هامش
( 1 ) - روضات الجنات أعيان الشيعة أمل الأمل
( 2 ) - دائرة المعارف .
( 3 ) - امل الأمل للحر العاملي ج 1 / 185 .
( 4 ) - أمل الآمل للحر العاملي ج 1 / 105 .
( 5 ) - دائرة المعارف للسيد حسن الأمين .