المحطة الثانية : بناء شخصية الشهيد الأول العلمية .
حيث كانت مدينته الحلة ، فما ان وصل إليها حتى فوجئ بموت ورحيل العلامة الحلي ، وعاد أهل العلم إلى نجله فخر المحققين ، فبقي ما يزيد على عقد من الزمن تلميذاً وباحثاً منكباً على العلم بلا ملل ولا ضجر حتى استبانت مكانته العلمية ، مما جعل فخر المحققين يقول عنه : إنني استفدت منه أكثر مما استفاد مني ، وان كان هذا الكلام محمولا على المبالغة ، لكن أن يصدر عن موقع بهذا الحجم له دلالته الواضحة على المقصود ، ودرس أيضا على الأخوين العالمين السيد عميد الدين الحلي الحسيني والسيد ضياء الدين الحلي الحسيني وهما شارحا كتاب التهذيب لخالهما العلامة الحلي ، وأجازا الشهيد بالاجتهاد والرواية ، وخلال هذه المدة حاز شهيدنا الأول على العديد من الإجازات وقد دونت بعدة مصادر ، كما جاء في كتب التراجم ، أمل الآمل ، تكملة أمل الأمل أعيان الشيعة لؤلؤة البحرين الكنى والألقاب ، بحار الأنوار .
المحطة الثالثة : الشهيد الأول مع فقهاء ومعاهد أهل السنة ، فقد غادر الشهيد الحلة وهو أحد فضلائها « 1 » ، المشهود له بالمكانة العلمية ، والفكر المتنور المتطلع إلى مشروع بدأت آثاره تظهر في طريق العودة إلى جزين ، كما عبر بهذه العبارة الشيخ جعفر المهاجر « 2 » .
لم يعد الشهيد مباشرة إلى جزين مكتفياً بهذا القدر من العلم الذي حصل عليه رغم الحنين والشوق إلى الوطن والأهل ، بل عمد إلى التوجه إلى المراكز العلمية عند علماء السنة ، ليطلع أولًا على المخزون العلمي والفكري لدى فقهائهم ، وثانياً كيما تنشأ علاقة تمهّد لطرح مشروع يفتح باباً كبيراً للحوار مع الفكر السنّي ، ويؤسس لأنماط من العلاقات المختلفة ويقطع الطريق على من سيلحق الضرر بالمصالح الكبرى لهذه الأمة مستغلًا تفككها .
ففي سنة 758 ه - اتجه الشهيد الأول إلى بغداد ، وأقام فيها مدة من الزمن ، كما ينقل بن الجذري في طبقات القراء « 3 » . حيث درس على فقهاء أهل السنة منهم شمس الأئمة الكرماني محمد بن سعيد الفرشي الفقيه الشافعي ، بعد ذلك غادر بغداد باتجاه عواصم ذات طابع سني ، مثل دمشق والقاهرة ، ومكة المكرمة والمدينة المنورة ، ومقام الخليل إبراهيم وبتعبير منه رحمه الله : أنه درس على أربعين شيخاً من علماء أهل السنة وأحصاهم في إجازته لابن الخازن الحائري في دمشق 784 ه - والموجودة في بحار الأنوار « 4 » .
هامش
( 1 ) - كما وصفه في روضات الجنات / 590 : بأنه أفقه جميع فقهاء الآفاق .
( 2 ) - سبقه فقهاء أبطال .
( 3 ) - طبقات القراء لابن الجزري 2 / 265 .
( 4 ) - بحار الأنوار ج 25 / 39 .