ثالثا : إذا نظرنا إلى الفقه كمجموعة منظمة وهادفة ، فإنه يجب علينا ابتداء أن نعين ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الوحدة في هذه المجموعة المتشابكة ، واي نوع من الاحكام علينا ان نتركها جانبا بسبب التزامنا بمبدأ الوحدة المقدم عليها .
ولا بأس في الإشارة إلى بعض سمات هذا الاتجاه ، وتطبيقها على الحركة التقريبية للسيد العلامة الأمين :
الف . أنّ أصحاب هذه النظرة الفقهية إلى التقريب لا ينادون بتوحيد المذاهب بحيث يذوب بعضها في البعض الآخر ، بل يسعون إلى تبيين مكانة التقريب في منظومة الفقه الاجتماعي ، ويصوغونها بقالب فقهي واضح ، ويرفعون تلك الملابسات والابهامات الفقهية المتوجهة إلى فكرة التقريب بالأجوبة الشافية والكافية ، والالتزام بلوازمه في المجتمع المسلم . يقول السيد الأمين :
( ليس مقصودنا من هذه المقالة أن نجعل أهل السنة شيعة أو العكس ، وأن يتبّرأ كل من الطرفين من آرائه ومعتقداته ) .
ويقول في موضع آخر :
( قد يساء فهم المقصود من فكرة التقارب ، فيقال : انها تدعو إلى ترك البحث حول أحقية هذا المذهب أو ذاك ، وذلك لأننا لا نستطيع أن نحافظ على الاخوة الا بترك هذا النمط من البحوث ، الا أن هذا غفلة عن أنّ هذه الدعوة لا تقبل ما دام كل طرف ملتزماً بمذهبه ، ويراه هو الحق ولا يمكن لأحد أن يتخلى عن اعتقاده من دون دليل أو برهان . إن الذي يجب أن يدعى اليه الطرفان : التعاون ، وتحرّي الأدلة العلمية ، والتمسك بالآداب الإسلامية ، وتجنّب التصرفات غير اللائقة الباعثة على التنفر ) .
وبعبارة أخرى : يحاول هؤلاء استنباط حكم التقريب وتنقيح موضوعه ، فهم بدل أن يتدخّلوا في بعض المسائل الجزئية بين هذا المذهب وذاك ، يسعون إلى تنقيح المباني الكلامية للتقريب ، وإعداد الأدلة الفقهية اللازمة لها .
ب . أنّ مجرّد تبيين الحكم الفقهي للوحدة ، وطرحه في منظومة الافكار الفقهية ، لا يعني رفع الغموض الذي يكتنف الناحية الفقهية المتعلّقة بهذا الموضوع الاجتماعي الحسّاس ، وانما ينبغي علاوة على السعي في هذا الطريق البحثُ في النسبة بين الأدّلة الفقهية للوحدة وأدلة سائر الأحكام الفقهية ، وتتبع حركة البحوث والتحقيقات التي يقوم بها العلماء والفقهاء ، وفي ظلّ مطالعةٍ من هذا القبيل يمكننا تشخيص الموارد والظروف التي نعتبر فيها ان الوحدة حاكمة على الأحكام الأخرى بشكل أساسي .
ولعل من أهمّ المسائل التي تواجه أصحاب هذا الاتجاه التقريبي هي كيفية وضع الحلول
رجالات التقريب — صفحة 246
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص٢٤٦