تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

الشيخ ابن عاشور والإصلاح

كانت هذه المطالب وما يرتبط بها حاضرة ماثلة في ذهن الشيخ محد الطاهر ابن عاشور . وتوفّرت أسباب ذلك لديه : منها ما هو معروف بين الخاصة والعامة ، وفي الأوساط العلمية الزيتونية ، وحتى في الأوساط السياسية والاجتماعية . وهي إصلاحات الوزير خير الدين . وما كان يتلقاه مباشرة من آراء جدّه الوزير ، وتصرّفاته بشأن إصلاح الزيتونة . وقد كان جدّه الوزير من علماء الزيتونة ، تخرّج من بين عرصاتها ، واغتذى بلبانها بالأخذ عن أشياخها ، وتردّد طالباً على حلقات العلم بها ، ثم تولّى تفقّدها وهو وزير ، كما تولّى بنفسه الإشراف على اللجنة الأولى لإصلاح التعليم بجامع الزيتونة سنة 1316 / 1898 . وما لاحظه الشيخ ابن عاشور بنفسه ، وهو طالب ومدرس بالجامع الأعظم ، من مسيس الحاجة إلى الإصلاح في مجالات عديدة مختلفة . ومنها ما دعاه إلى المعالجة الفعلية لقضايا الإصلاح ، وهو نائب الدولة لدى النظارة العلمية 1325 / 1907 ، ثم وهو قاضٍ ، بوصفه عضواً في هيئة تلك النظارة ، ثم بوصفه شيخ الإسلام ، والشيخ المدير للجامع الأعظم . كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدرك مدى العلاقة بين رجال العلم والإصلاح . فالشيوخ لم يكونوا يكترثون بالتعديل أو التغيير لتعليمهم من تلقاء أنفسهم ، أو يظهرون الاهتمام به والالتفات إليه ، إلا ما كان منهم بعد تأسيس الجمعية الخلدونية في 18 رجب 1314 / 24 ديسمبر 1894 ، كما كان يدرك موقف المشائخ وما يتلقون به مساعي المصلحين من الحكومة بالتذمر والضجر . لا يحملهم على ذلك إلا حرصهم على حرية التصرّف في معهدهم ، كما كان أسلافهم ، وعدم التقيّد بنظام أو التزام بترتيبٍ ينشأ عنه تدخّل في الدين ومنهج تلقينه وطريقة نشره وتعليمه . ومن ثَمّ لم يعيروا الإصلاحات الثانية اعتباراً ، ومضوا مستهينين بها ، ومخالفين لها ، مجدّدين بذلك موقفهم الذي وقفوه قبل من إصلاحات المشير أحمد باي الأول . وانكمش خير الدين عن المضي في إصلاحه ، تاركاً أشياء كثيرة لم يتمّها ، كما توقّف المسؤولون في قطاع التعليم من رجال الحماية عن المشاركة في جهود الإصلاح ، لما تقدّم به رجال العلم بالزيتونة من وصفهم للإصلاحات بكونها بدعة . وبدأ الشقاق يظهر بين الطرفين المحافظ والإصلاحي ، فازداد الأول تمسكاً بموقفه ، وأبدى دعاة الإصلاح رغبتهم في التغيير والتجديد وإصلاح التعليم العربي الإسلامي على وجه لا يزيل عنه صبغته المحمودة عند عموم الأمة . وقابل الجانب الفرنسي هذه الدعوة بالانكار والإعراض ، وقال مدير التعليم العمومي : أرجعوا تعليم