يقظة الشعب
هنا توقّف الشعب والعلماء والحكام جميعاً ، وأصابتهم هزة الاحتلال ، وتملّكتهم الحيرة ، واتجهوا جميعاً إلى تدارك الأمر ، كلٌّ على شاكلته ، وبالوجه الذي يراه ويختاره . فصرفوا عنايتهم إلى شتى المجالات يرعونها ، ويبذلون الجهد لإصلاحها . وامتدت أيديهم إلى المدرسة الأم ، المعهد الديني ، جامع الزيتونة الذي أصابه الشلل ، وأصبح غير قادر على تهيئة الخريجين لمواكبة التطوّرات الجديدة التي شملت كل جوانب الحياة ، ولا على التقدّم بخطى دقيقة وموزونة للخروج بالبلاد من التخلّف ، ولا على الصمود كثيراً أمام الاتجاهات الخطيرة .
وكان حتماً أن يحرِّك الإصلاحُ مشاعرَ الراشدين فيزيلون الفساد ويقضون على أسبابه في كل مجالات الحياة . فالإصلاح عند أهل اللغة هو إزالة الفساد أينما ظهر . وقد يتجاوز الإصلاح إلى التجديد والتطوير وجعل اللغويون وعلماء الاجتماع لمصطلح الإصلاح فرعين : أحدهما يتعلق بالفرد ، وثانيهما بالأمة . وفصّل الشيخ ابن عاشور المصطلح بنوعيه الخاص والعام في كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام . واستُعمل الإصلاح مضافاً إلى أشياء كثيرة كإصلاح البناء وإصلاح الماء ، ماء الشراب ، وإصلاح العيش . ومن هذه الدلالة العامة جاء الإصلاح الاجتماعي . وهو ما تقدمت الإشارة إليه ، والإصلاح الاقتصادي والمالي والسياسي وإصلاح التربية والتعليم .
وقد تحركت مختلف الطبقات والعناصر لإصلاح التعليم الزيتوني . وهذا ما حدا بخير الدين إلى تكوين لجنة لتنظيم الدروس بجامع الزيتونة ، والنظر في شؤون الشيوخ والطلبة من جهة ، كما قام بتأسيس المدرسة الصادقيةمن جهة ثانية في 4 ذي الحجة 1291 / 13 يناير 1875 . وعلى إثره سعى روّاد الإصلاح من حوله إلى تأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1314 / 1897 . وقامت حركة الشباب التونسي بالعمل على إنشاء وتطوير الحركة الطالبية الزيتونية « 1 » .
ترتيبات خير الدين
كان عمل خير الدين في هذا المجال متأثراً بالمنهج الذي دعا إليه في كتابه أقوم المسالك . نزع فيه منزع الرصانة والتجديد : الأصالة والتفتح . وكان من نتائج همّة هذا الوزير ، بعد سنة من إنشائه للجنة الإصلاح الزيتوني التي تولّى رئاستها بنفسه ، فراغ هذه اللجنة من عملها في ذي القعدة 1292 / جويلية 1875 .
وقد ضَمَّت لجنةُ تنظيمٍ التعليمٍ ووضع القوانين للزيتونة ، إلى جانب الوزير خير الدين رئيساً ، عدداً من أنصار دعوته من أهل العلم ورجال الحكومة ، فكانت تتركب من الشيخ محمد العزيز
هامش
( 1 ) - محمد مختار العياشي . البيئة الزيتونية ، ترجمة حمادي الساحلي : 24 .