تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
بين مراتب الدراسة ، حاصلًا منهم على شهاداتِهم له بالقراءة عليهم ، لكثير من العلوم التي كان يزاولها الطلاب في عهده ، وعلى شهادة التطويع التي تخوّل صاحبها ، في ذلك الوقت ، حقّ التدريس في الدرجات الأولى من التعليم بالمعهد . ومما حَظِي به رحمه الله الإجازات العلمية الجامعة ، التي نخصّ منها بالذكر إجازته في الحديث النبوي الشريف ، كتبها له بيده بدفتر شهادات دروسه شيخ الإسلام شيخه وشيخ شيوخه الشيخ سالم بوحاجب . فسمع منه ، وأخذ عنه ، وكان به حفياً . وقضى الإمام الأكبر حياتَه في جهاد وعطاء . وبذل ما شاء الله له أن يبذل من جهود في مجال التعليم والتدريس . فهو الأستاذ القادر ، والمحقق اللامع ، يزدحم الطلاب على حلقة درسه . وكان أرقى العلوم لديه هو ما كان يوليه عناية خاصة بممارسته الدائمة له ، سواء في ذلك ما كان من علوم المقاصد أو من علوم الوسائل . وهذا مانوّه به طلبته ، وعرَفَهُ منه أقرانه . كان مولعاً بالدروس التي يلقيها بالجامع الأعظم ، يرفع بها السجف عن أسرار البيان ، ويمكّن طلابه بسهولة من فوائد وفرائد غاص عليها هو ، في مصادر البحث ومراجعه . وربما كانت بإشارة شاردة ، تَلْفِتُ الأنظار العلمية الدقيقة إلى ما فيها من علم غزير ومعارف دقيقة . وممّا أكّد هذه الصفات لدى الإمام ، حتى كادت أن تكون غريزيّة أو ذاتية فيه ، حُبه للمطالعة وإقباله الشديدُ عليها ، وحفظُه السريع لما تشتمل عليه الكتب والرسائل التي كان يلتهمها التهاماً . تولّى عضوية لجنة فهرست الكتب بالجامع الأعظم ، وعُهدت إليه رئاستها . ووقف على أكثر المخطوطات به مطالعةً ، وتوفيقاً ، وتحشيةً وتعليقاً ، بخط جميل يزري بخط الأصل منها ، فيزداد بذلك الكتاب نفعاً للواقفين عليه . وهو بدون شك يفضل النسخ الأخرى العريّة مما حبّره الشيخ بقلمه من ضبط أو إصلاح . وكانت بالجامع الأعظم مكتبتان : الأولى الأحمدية ، من إنشاء المشير أحمد باشا الأول ، والثانية الصادقية أسسهما المشير محمد الصادق باشا باي . أما الوظائف الإدارية السامية التي تولّاها الإمام الأكبر فهي - بخارج ميدانه العلمي والقضائي - رئاستُه للجمعية الخلدونية ، وتوليّه مشيخة الجامع الأعظم الذي عاش له دهراً طويلًا من حياته . ومن خلال ذلك ظهر دوره الإصلاحي للتعليم بالزيتونة . وتجتمع وظائفه العلمية والشرعية في التدريس الذي بلغ فيه الذروة ، لا ينازعه في ذلك أحد ، لرسوخ قدمه ، ودقيق ملاحظاته ، وقمة بيانه وعلمه . وسُمعتِه العلمية والأدبية . وذلك ما رشَّحه ليكون عضواً مراسلًا للمجمع اللغوي بالقاهرة ، وللمجمع العلمي بدمشق . وولِيَ إلى جانب ذلك الرئاسات الشرعية والقضائية ؛ من عضو بالمجلس المختلط ، ومفتٍ ، وقاضٍ ، وشيخِ إسلام رئيسٍ للمجلس الشرعي المالكي . ولا غرو أن يبلغ هذا الشأو البعيدَ من المعرفة والدرس والعلم وهو القاءئل الموقن بما يقول : إن مزية العلم ، وشرفَ الانتساب إليه ، أمرٌ بلغ من اليقين والضرورة مبلغاً يقصر عنه البيان ،