وينتقص قدرَه محاولةُ إقامة البرهان ، بعد أن توّجه الله تعالى بكتابه الكريم ، وهو الذي علّم من لم يكن يعلم ، وزكّى رسوله بأنه على خلق عظيم ، وصراط مستقيم فقال :
( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً )
( طه / 114 ) ، قولًا جعل طلب العلم ، والحرصَ عليه ، والاستزادة منه أعظم مطلوب لأشرف موجود . وهكذا كان العلم تاجَ نبوته ، وشعارَ ملّته . . وإني لأحمد الله على أن جعلني لا أتعلق بشيء من المناصب والمراتب تعلّقي بطلب العلم ، ولا آنس برفقة ولا حديثٍ ، أنْسي بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب ، ولا حُبِّبَ إليّ شيءٌ ما حُبِّبتْ إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس ، متكّباً كل ما يجري حولي من المشاغل .
وقد يكون من الأمور الجديرة بالذكر في هذه العُجالة ، أن الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كان فقيه ميدان ، لم يكن يعيش بعيداً عن وَعْي الواقع ، منصرفاً إلى أوراقه وبحوثه النظرية ، والاكتفاء بالحديث عن خلود القِيَم الإسلامية ، وعظمة الفقه الإسلامي ، دون النظر في كيفية تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس ، وتقويم حياتهم بِقيَم الإسلام ، في الكتاب والسنّة ، والارتقاء بأدوات الاجتهاد ، والتعامل مع النصوص التكليفية في الكتاب والسنّة ، تفسيراً ، وبياناً ، واجتهاداً ، وفق منهج علمي أصيل . . يظهر ذلك بشكل واضح وجليّ في نشاطه وعمله العلمي ، مدرِّساً ، وقاضياً ، ومفتياً ، وشيخاً للجامعة الزيتونية ، وتآليفه المتنوعة خاصة في التفسير ، حيث يعد كتابه التحرير والتنوير مدرسة في التفسير قائمة بذاتها ، بدأت من حيث انتهى المفسِّرون الذين سبقوه ، إضافة إلى التأليف في الحديث ومصطلحه ، ولعل من أبرز مؤلفاته فيه كشف المغطَّى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ ، والنظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح ، إضافة إلى الفقه والأصول ، حيث يأتي كتاب مقاصد الشريعة في مقدّمتها ، هذا عدا تآليفه في النقد ، والأدب ، والبلاغة ، والسِّيَر ، والتاريخ .
ميز الله تعالى هذا الإمام الجليل بما وفّقه إليه من التحرير والتنوير لكتابه العزيز الكريم ، وبما رواه وحققه ونقده من أسانيد ومتون ، أو دلَّ عليه من ضوابط وحقائق ، وما حاط به سنة نبيه ( ص ) من بيان شامل ذاد به عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين .
كان رحمه الله مرجعاً في العلوم الشرعية وهي المقاصد بقدر ما كان حجةً في الوسائل والعلوم اللسانية ، وهذا بما رَزَقَهُ الله عزّ وجلّ من فقه في الدين ، وعلم بفروعه وأصوله ، وبما جرى به قلمه أو نشره من فتاوى دقيقة مركزة ومعللة ، مبنية على العلم والفهم والفطنة والملكة الواسعة الأفق ، وعلى استعماله وسائل البحث وآلات النظر ، للخلوص في ذلك كله إلى ما يمكن الاعتداد به . فلم يكن يصدر إلا عن رأي صائب وحجة قاطعة وقول فصل .
وإنك بتتبعك لآثارة ووقوفك على تعاليقه وتحقيقاته ، مُلْفٍ بما ذكرناه وما لم نذكره ، عالِماً