تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
علّمه مالم يكن يعلم ، وزكّاه بأنه على خُلُق عظيم ، وعلى صراط مستقيم ، فقال : ( وَقُل رَّبِّ زدني علما ) قولًا جعل طَلَبَ العِلْم ، والحرصَ عليه ، والاستزادةَ منه ، أعظمَ مطلوب لأشرف موجود . وبذلك كان العلم تاجَ نبوَّته ، وشعارَ ملّته . وإني أحمد الله على أن أودع فيَّ محبةَ العلم ، والتوقَ إلى تحصيله وتحريره ، والأنسَ بدراسته ومطالعته ، سجيةٌ فُطرت عليها ، فخالطت شغاف قلبي ، وملأت مهجتي ولُبّي ، وغرزت فيّ غريزة نمّتها التربية القومية التي أخذني بها مشايخي طيب الله ثراهم ، وطهر ذكراهم ، ممن جمع أبوّة النسب وأبوّة الروح ، أو ممَّن اختصّ بالأبوة الروحية وحدها حتى أصبحتُ لا أتعلَّقُ بشيء من المناصب والمراتب ، تعلُّقي بطلب العلم ، ولا آنسُ برفقةٍ ولا حديث أنْسِيَ بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب ، ولا حبِّب إليّ شيء ما حُبّبت إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس ، متنكّباً كل ما يجري حولي من المشاغل . فلا تكاليف الحياة الخاصة ، ولا أعباء الأمانات العامة التي حُمّلتها فاحتملتها ، في القضاء وإدارة التعليم ، حالت بيني وبين أنسي في دروس تضيء منها بروق البحث الذكي ، والفهم الصائب بيني وبين أبنائي من الطلبة الذين ما كانوا إلا قرَّة عين وعُدَّة فخر ، ومنهم اليوم علماء بارزون ، أو في مطالعات وتحارير أخلص فيها نجيّاً إلى الماضين من العلماء والأدباء ، الذين خلفوا لنا في آثارهم الجليلة ميادين فسيحة ركضنا فيها بالأفهام والأقلام ، ومرامي بعيدة سدّدنا إليها صائب السهام . فالحمد لله الذي بوّأنا ، بين الماضين من أسلافنا والآتين من أخلافنا ، منزلة مَن تلقّى الأمانة فأدّاها ، وأوتي النعمة فشكرها ووفّاها » « 1 » .

صدمة الاحتلال

في خلال الفترة التي تقدّمت انتصاب نظام الحماية الفرنسية بالبلاد التونسية ، وتقاطُرِ الأوروبيين وخاصة الفرنسيين منهم على تونس العاصمة ، واتخاذهم حيّاً متميزاً بها عمراناً ونضارةً وبهجة حياة ، بدا الفارق العظيم والبون الشاسع بين بؤس الحياة الأهلية ، ونعمة الحياة الأوروبية التي لم يستطع اللحاق بها إلا كبار الموسرين وعظماء الحكام . وظهر الأطباء والصيادلة والمهندسون الغربيون بمظاهر تفوّقهم في العلوم الطبيعية ، وسبقهم في ميدان الحياة العملية . وفاضت على البلاد الثروات الأجنبية ، بسعة معاملاتها وقوانينها الغربية المغرية . وبدأ نظام الدولة في الإدارة والقضاء يتطوّر بالاقتباس من الأساليب الغربية ، وترك ما كان سائداً من الأحكام الشرعية والتقاليد القومية « 2 » .
هامش
( 1 ) - من كلمته التي ألقاها أمام الرئيس بورقيبة يوم إسناده أول جائزة رئاسية إليه . ( 2 ) - محمد الفاضل ابن عاشور . الحركة الأدبية والفكرية بتونس : 24 - 25 .
رجالات التقريب — صفحة 230 | محمد مهدي التسخيري