لأزمات وتطرأ عليها تطورات . فالمجتمع تارة يكون متمسكاً بدينه متحمساً له ، وكأن الدين عنده كل شئ وتارة أخرى يقع نفس المجتمع في فوضى خلقية ، وكأن لم يكن بينه وبين الدين صلة ، حتى إنه ليسخر من معتقداته السابقة ، ويعتبر المادة كل شيء ولا شيء سواها " « 1 » .
والمقصود هنا هو جماعة " الماديين " التي تغربت بثقافتها وبعقلها ، وهم نفس الصنف الذي رد عليهم الأفغاني ومحمد عبده تحت عنوان " الرد على الدهريين " أو " مقاصد الماديين " .
وينعى القمي علماء الدين الذين ينعزلون بأفكارهم عن المجتمع ، مما يسبب خللًا واضحاً في دور الدين في المجتمع : " إن الدين من غير علم إن صح هذا التعبير لا ينمو في ظله إلا الخرافات ، والعلم من غير دين لا يجر سوى النكبات والاضطراب والفوضى ، والمجتمع اللاديني ينتهي دائماً بالسقوط في هاوية المادية ، ولكنه بكل أسف يجر معه الدين أيضاً " « 2 » .
ثم يحمل علماء الدين مسؤولية تثبيت العلمانية لأقدامها في العالم الاسلامي فيقول " فالظروف تتبدل ، والأفكار تتغير والمعارف قد تنطلق من مدارها الخلقي وتصطدم بالدين ؛ إن غفل رجاله عن سنة التطور ، أو تخلفوا عن ركب الحياة . وبمقدار ما تتقدم المعارف تتضاءل رقابة رجال الدين ، وتضعف آثار معارضتهم ، حتى ينتهي الأمر بتقسيم المعارف إلى مدنيّة ودينية ، ثم تطغى المدنية فتفرض أنظمتها على أخص شؤون رجال الدين ، مثل الطلاق والنكاح وإجراء العقود ، وتجعلها دنيوية بحتة . بهذا الأسلوب يأخذ العلم طريقه إلى رجال غير دينيين ، وتلامذة اليوم هم رجال الغد - وعلى هذا الأساس يقوم الفصل بين العلم والدين ، وبين الجديد والقديم " « 3 » .
وتتوافق أفكار القمي حول علاقة " الدين بالمجتمع " مع الأفكار التي طرحتها أدبيات الفكر الاسلامي آنذاك ، والتي تؤكد على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وللفرد والجماعة ، كما تقوم على اعتبار الإسلام " فكرة تقدمية " « 4 » مثل أفكار وكتابات سيد قطب في : " الإسلام ومشكلات الحضارة " ، " السلام العالمي والإسلام " ، " نحو مجتمع إسلامي " ، " معركة الإسلام والرأسمالية " ، " العدالة الاجتماعية في الإسلام " وكتابات الرافعي في " المعركة بين القديم والجديد " ، ومقالات طنطاوي جوهري ، مصطفى صبري ، وكذلك الصحافة الإسلامية والتي قامت بالرد على كثير من دعاوى التغريب والعلمانية مثل صحف : المنار ، الفتح ، نور الإسلام ، لواء الإسلام .
وقد كانت هذه الأفكار بمثابة رؤية إسلامية " مضادة " للرؤية الغربية " السائدة " سواء تلك التي
هامش
( 1 ) - القمي : " ليكن شعارنا المدرسة بجانب المسجد " ، رسالة الإسلام ، السنة الثامنة ، العدد الثالث ، ص : 241 .
( 2 ) - المرجع السابق : ص : 242 .
( 3 ) - المرجع السابق : ص : 242 .
( 4 ) - المرجع السابق : نفس الصفحة .