وعلى الرغم مما قد يتصوره البعض من " نخبوية فكرة التقريب " واقتصارها على العلماء فقط ، فإن الشيخ القمي ينفي ذلك ، بل يرى " أن فكرة التقريب ليست فكرة جماعة بذاتها مركزها دار التقريب ، وإنما هي فكرة كل مناصر لها في أي بلد من البلاد ، وإن أية دار تُلقى فيها محاضرة أو يجتمع فيها مؤتمر أو غير ذلك لتعريف المسلمين بعضهم إلى بعض لهي دار للتقريب " « 1 » .
ويضع القرآن الكريم قضية التعارف بين البشر في مكانها الإنساني الهام
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ )
« 2 » .
فالمعرفة بين البشر تساهم في حل الكثير من المشكلات التي تنشأ بسبب الجهل " فكثيراً من الخلافات تحل في ظل التعارف :
إما لأنها نشأت أي الخلافات عن اعتقاد الطائفتين خطأً أن الأخرى تعتقد أموراً يتضح بعد التعارف خطأ نسبتها إليها .
أو لأنها جاءت نتيجة دليل معقول أو أصل مقبول فتقبلها الأولى .
أو لأنها تستند إلى أساس وأدلة إن لم يكن مقبولة عند الأولى ، فقد ثبت عندها اعتبارها ، وعندئذ تلتمس عذراً لمن يعمل بها . . . " « 3 » .
إن هذا " المنحى العلمي " الذي تنبه إليه الشيخ القمي من شأنه أن يضع كل قضايا الخلاف موضع الطرح والبحث العلمي ، كما يوفر للمسلمين التفكير الحر الذي يعتمد على طرح العصبيات والأوهام ، التي وضعت على العقل المسلم فترات طويلة ، وهو لا يدعو إلى مناقشة القضايا الخلافية بصورة علمية أكثر مما يدعو العقل المسلم إلى التحرر من أغلال التقليد والجهل ، اللذين تلازمانه منذ عهود ليست ببعيدة ، ويتمنى له أعداؤه أن يظل فيها لعهود أكثر وأكثر .
كما يساهم هذا " المنحى العلمي " - أيضا إلى توظيف حالة من الحوار الاسلامي الاسلامي الذي يعتبر من القواعد الأساسية لأي فكرة أو مشروع نهضوي .
ويشير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إلى بعض أسباب الخلافات الفقهية ومنها :
الطبيعة اللغوية : فهناك كلمات تفيد الشيء وضده ، فيختلف الفقهاء في تحديد المعنى .
أحاديث الآحاد ودورها في التشريع فمثلًا :
أ - ربما لا يبلغ الحديث الفقيه المجتهد ، فإن الأحاديث كثيرة والإحاطة بها متعذرة .
ب - قد يبلغ الحديث الفقيه ، ولكنه يرفض سنده لعلل قادحة فيه ، وربما بلغ غيره بسند أجود فيأخذ به .
هامش
( 1 ) - القمي : " الزمن في جانبنا " : رسالة الإسلام ، السنة التاسعة ، العدد الأول ، ص : 24 .
( 2 ) - الحجرات / 13 .
( 3 ) - القمي : " جولة بين الآراء " : مرجع سابق ، ص : 37 .