وبعد عامين ، سنة 1292 ه - فاجأ الشيخ أوساط الأزهر بحاشية وضعها على شرح الجلال الدواني على العضدية ( لعضد الدين الإيجي 756 ه - ) وكان في الخامسة والعشرين يتهيأ لدخول امتحان العالمية بعد عامين . وبمقارنة الدراستين يتبين التقدم الذهني والمذهبي والبلاغي فيما بين الرسالتين . ففي الأولى تصوف غامض وسجع بخواطر فلسفية اما الثانية فكتاب كامل في أمور من دقائق علم الكلام ( التوحيد ) وهي بمكانتها في الدقة العلمية واستقلال ( صاحبها بآرائه في أهم أبواب علم الكلام ) وتعتبر منطلقاً له من قاعدة صلبة هي حرية الاجتهاد والاختلاف .
لقد شرع منذئذ يطالع الملأ آراءه في صحيفة أو نادٍ علمي أو ثقافي أو سياسي . فهو في حاشيته يأخذ الدين من مصادره في القرآن والسنة ويلتزم النص القطعي الورود والدلالة أو المعنى القطعي التي تتظافر عليه النصوص . لا يفسّق المسلم أو يكفّره ، وهو مستقل لا يتعصب أو يقلد ، ومجتهد يسير مع الدليل ، ومن أهم مؤلفاته أيضا رسالة التوحيد وشرحه على نهج البلاغة ، الذي يعد من نفائس ما نشر في عالمنا الاسلامي وكتاب ( كلمات الامام ) وكتاب ( مقتبس السياسة ) وتفسير العديد من السور القرآنية وكتاب في علم الاجتماع والعمران ) إضافة على مقدمة ابن خلدون بعد تدريسها ، وهناك العديد من المقالات التي كل واحد منها لا يقل اثرها عن كتاب بأكمله نشرت في مجلات ودوريات علمية كان يشرف عليها وغيرها كالعروة الوثقى والوقائع و . .
وقد نشرت للشيخ مجموعة كاملة من آثاره العلمية .
وفي قراءة سريعة في كل ما نشر عنه نلاحظ ان روح الوحدة والدعوة إلى اتحاد المسلمين ، وحتى الاتحاد مع غير المسلمين من أبناء الديانة الإبراهيمية كان واضحا ، والذي أدى كما في بيروت إلى تأسيس ( جمعية التقريب بين الاسلام وأهل الكتاب ) مع بعض من رفاقه انطلاقا من آية ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) . ويستند أيضا إلى كلام لأمير المؤمنين في نهج البلاغة من عهد للأشتر ( واشعر قلبلك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم . ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم . فإنهم صنفان : اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق . يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ . فاعطهم من عفوك وصفحك الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه . . ) .
واختياره لتدريس نهج البلاغة وشرحها في لبنان لم يكن مقتصراً على عشق اللسان الذي نزل به القرآن أو هديل طائر بعيد من فننه يتغنى بالاسلام في أيام مجده . أو انجذاب صوفي أصيل إلى الامام الذي يعضد العرفاء والصوفية في قمة نظامهم ، وانما الشيخ لا يعتبر أحدا عالماً الا إذا نفع بعلمه الناس . وهو أستاذ يتهيبه الجميع ويشرح المعاني العالية والسير العاطرة للمسلمين
رجالات التقريب — صفحة 187
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص١٨٧