واما بالنسبة لاصلاح القضاء الشرعي فبعد تعيينه مفتياً للديار المصرية في 3 يونيو سنة 1899 م ألهمته السماء ان يضيف إلى مسؤولية الافتاء مسؤولية اصلاح القضاء الشرعي وقوانينه ، وهو أكبر أهل عصره إدراكاً بمكانة الشريعة التي صنعت أمة الاسلام ، بعد العمل الطويل الجليل في تطبيق الشرائع الأجنبية ، وفي جواره جماعة من رجال القانون العالميين مجمعون على اصلاح الأمة . والشريعة تقيم الأمة على أساس الأسرة ، لا الفرد . وبهذا يمتاز المجتمع الاسلامي بالتماسك من مجتمعات أوروبا التي عراها التفكك ، وتنجر أنفس المسلمين في اصلاح حالهم صوب قوانين الأسرة . وهي الغذاء اليومي للعمل القضائي في المحاكم الشرعية .
قدّم تقريراً يشتمل على ثلاث وثمانين صفحة كبيرة ، يشتمل على ثلاثين بابا حول أوضاع القضاء الشرعي ، وبادرت الحكومة فطلبت اليه اعداد قانون بالاصلاح من واقع التقرير فصنع . وقدم قانونا من أحد عشر مادة اعلن تأييدها شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري بخطاب مؤرخ 6 ربيع الأول سنة 1319 ( 1901 م ) . وأدخلت الحكومة فحوى هذه المواد جميعها في اصلاحاتها المتوالية للمحاكم الشرعية .
وللشيخ اثر عظيم في شكل النظام القضائي ، إذ كان الإنجليز يسوقونه ، شيئاً فشيئاً ، ليصير انجليزي النظام ، فقرر إلغاء النيابة العامة وإحالة عمل النائب ووكلائه على القضاء .
وبخصوص التلفيق في امر القضاء والاستعانة بالمذاهب الاسلامية يقول الشيخ : واني أحب ان أصرح بأمر ربما يغضب أهل الأثره من أهل العلم الحنفية وهو أننا مسلمون . وليس الزمن زمن التعصب لمذهب دون مذهب . . ومن درس فقه الشافعية أو المالكية لا يعسر عليه فقه أبي حنيفة . فان الأصول متقاربة والاختلاف في الفروع مذكور في كتب الفريقين وحصر التعيين في الحنفية يضيق دائرة الانتخاب ويلجىء إلى تعيين الضعفاء في العلم والعزيمة . فلم لا يطلق الانتخاب من هذا القيد ) .
فهذه الرؤية ولدت نظاماً حقوقياً جديداً في العالم الاسلامي كان لها الدور الكبير في تأسيس جمعية دار التقريب بين المذاهب الاسلامية على أيدي جماعة من العلماء الذين منهم كبار تلامذة الشيخ محمد عبده .
بدأ الشيخ محمد عبده في كنف السيد جمال الدين أول تأليف له عام 1290 سماه ( رسالة الواردات ) وهي عبارة عن جزئيات أومأ إليها السيد بكتابتها سنة 1288 ه - كما قال . تبدأ بعد البسملة والحمد بالثناء على جمال الدين ( كالغيث أرسل لاحياء نعمة التفكير في العلوم الحقيقية ) وتنتهي بقوله ( هلا تفطنت فيما أدرجت لك من هذه الأقوال إلى أنه وقع الصلح بين الطائفتين العظيمتين في الافعال هل هي لله خاصة أو بقدرة العبد فإنه لاتخالف بينهما في الحقيقة .
فالله فاعل من حيث العبد فاعل والعبد فاعل من حيث الرب فاعل ، الوجود في جميع مراتبه مختار والحمد لله رب العالمين ) .
رجالات التقريب — صفحة 186
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص١٨٦