أسلوب الشيخ في طريق الوحدة
لقد اتبع الشيخ في حياته الفكرية اسلوباً وسطاً ومحافظاً في طريق الوحدة ؛ فهو الفقيه البناء الذي يُؤثر تربية العقول على تجييش الغضب ، لكن في فكرة عمله المشترك مع أستاذه السيد تأثر بأسلوبه . ومع ما يقال فان الشيخ لن يتخلى يوما عن الأهداف السياسية العامة لأستاذه .
ونظراً لما يحمل من عمق فكري وتجربة عملية ورأي وقّاد نهج الأسلوب التعليمي والتثقيفي لإقامة تغيير فكري وأصلاح ثقافي في أوساط المجتمع الاسلامي ؛ ببذل الجهد المتواصل في طريق إقامة الحكومة الاسلامية وتوحيد الصف بين أبناء الأمة الاسلامية .
برأي الشيخ عبده ( كما جاء في رسالة التوحيد ) ان المسلمين الأوائل بعد اعلامهم التآخي بين العقل والدين بأمر من القرآن الكريم وصلوا إلى مرتبة التوحيد ، ونظراً لانشغال المسلمين ( في زمن الخليفتين الأولين ) في بناء الحكومة الاسلامية ، وتثبيت أركانها ، لم تتح لهم الفرصة لتقوية المبادئ العقلية الايمانية ، وفي حين ظهور أي اختلاف في المسائل العقائدية والفقهية الفرعية التي هي الأكثر ، كان الرجوع فيها إلى الخليفة ثم الحل .
لكن الحوادث التي وقعت في زمن الخليفة الثالث ، والتي نتيجتها الفتنة الكبرى مما أدى إلى تخطي الحدود الشرعية وقتل الخليفة .
عند ذلك وقع الاختلاف والانقسام بين المسلمين ، كما يرى الشيخ ، فازدهر سوق جعل الحديث واختراع الروايات والتأويلات ، وقام البعض بتكفير البعض الآخر ، وقد حصل هذا الامر في زمن كان الاسلام قد دخل إلى الشعوب الأخرى ، وأصبحت جزءاً من الجسد الاسلامي الكبير . لكن رغم نشاط كثير من الشخصيات العلمية المتمسكة بالعقل والنقل ، كالشيخ حسن البصري وأمثاله ، نلاحظ إن بعض العناصر المتظاهرة بالصلاح والاصلاح جلبت أفكار منحرفة متداولة قبل الاسلام ، وأقاموا الشبهات والشكوك في أوساط المجتمع الاسلامي . مما استوجب النزاع بين أصحاب العقل والنقل آنذاك فالافراط والتفريط في تقديم الحلول لكلا الطرفين أوجد تقابلًا بين العقل والشرع ، أو العقل والايمان ، وبعد مزج الفلسفة بعلم الكلام وانتاج علم واحد كانت أرضية التقليد قد استحكمت شيئاً فشيئاً ، واخذ التقليد مكان العقل ، وادى إلى التوقف في مسيرة التطور العلمي لدى المسلمين . فان الطرح الذي قدمه الشيخ بشكل بسيط وبعيداً عن الزوائد والتمظهر نال اعجاب المفكرين والعامة ؛ لأن القصد منه التأكيد على أن التعقل والتفقه فريضة على كل مسلم ؛ فالحديث عن الوجود والقدرة والتوحيد أو الحديث عن النبوة والوحي ، أو حرية الإرادة الانسانية والعمل الصالح والمحبة و . . كلها تنبع من المقدمّات والمبادئ العقلية .
يقول الشيخ محمد عبده :
إن في الاسلام من ضروب الهداية ما يعد من الأصول الخاصة بالاسلام كبناء العقائد في القرآن