لم تمض عليّ بضعة أيام الا وقد رأيتني اطير في عالم آخر . . . ولم أجد اماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي الا ذلك الشيخ ، الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة ، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد .
عاد الشيخ إلى طنطا وبدأ بأخذ العلوم المختلفة ، وجلس في درس شرح الزركاني على العزية ، والشيخ الخالد على الأجرومية ، فوجد نفسه يفهم ما يقرأ وما يسمع .
وبمجيء السيد جمال الدين إلى مصر سنة 1286 ه - صاحبه من شهر المحرم سنة 1287 واخذ يتلقى عنده بعض العلوم الرياضية والحكمية والكلامية ، ويدعو الناس إلى تلقي العلوم عنه كذلك .
وفي دراسته الأزهرية اختار حلقة الشيخ عليش ، حيث الفقه المالكي ، كما جلس إلى الشيخ الجيزاوي والشيخ البحراوي والشيخ الرفاعي ، وفي الأدب اختار الشيخ محمد البسيوني ، وكان شاعراً ، واختار الشيخ حسن الطويل لعلوم المنطق والفلسفة ، وهو صوفي عريق ، واخذ على السيد جمال الدين كتاب الزوراء للدواني في التصوف وشرح القطب الشمسية . والمطالع وسلم العلوم من كتب المنطق والتوضيح مع التلويح في الأصول والجغميني في الهيئة القديمة ، وتذكرة الطوسي في علم الهيئة .
والظاهر أن أكثر ما درسه عليه كان في الأصول والتصوف والمنطق والطبيعة .
لقد كان الشيخ أحد ابرز تلامذة السيد جمال الدين في سيرة الاصلاح والتغيير ، والسعي من اجل توحيد صفوف الأمة الاسلامية ، ومعرفة دائها ودوائها ، وكلاهما قاما بمعالجة الداء الذي أصيب به الجسد الاسلامي المثخن بالجراح ؛ كل بطريقته الخاصة مع اتحادهما في النظر على نوعية الهموم المبتلى بها ، لكن طريقة الشيخ تختلف عن أستاذه ، خصوصاً بعد انفصاله عنه ، حين توقيف العروة الوثقى في باريس ، وملاحظة بعض النكسات السياسية في السبل المتخذة في مسيرة الجهاد المستمرة ، فكان أسلوبه المتفاوت نتيجة اعتقاده بأن تحقيق أي تغيير سياسي في العالم الاسلامي قبل التغيير الفكري والثقافي سوف يكون قبل أوانه ومآله إلى الفشل ، فانطلق من قاعدة التغيير الفكري والثقافي والتقريب بين المذاهب الاسلامية نحو الاصلاح الشامل .
وفي هذا المجال يقول الشيخ :
إن السيد جمال الدين كان صاحب اقتدار . وقد عرضت عليه حين كنا في باريس أن نترك السياسة ، وأن نذهب إلى مكان بعيد عن مراقبة الحكومات فنعلّم ونربّي ، من نختار من التلاميذ على مشربنا . فلا تمضي عشر سنين إلا ويكون عندنا كذا وكذا من التلاميذ ، الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم ، والسير في الأرض لنشر الاصلاح المطلوب فقال : أنت مثبّط .
وقد لا يكون الشيخ مثبطاً بل إن تجربته أكدت له أن السياسة بحر يموج بعضه في بعض ، فيسقي راكبيه مالا حيلة لهم فيه . وأن الخلاف بينه وبين جمال الدين خلاف في الطبيعة والطريقة .
رجالات التقريب — صفحة 183
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص١٨٣