وقد مهدت هذه الرسالة لمباحث أصولية أكثر عمقاً واستيعاباً قام بها تلامذة المفيد ، وأول من طور هذه المباحث ، واستوعبها دراسة واستقصاءً هو الشريف المرتضى .
وتبقى هذه الرسالة رائدة في حقل دراسة علم الأصول وبدايات استقلاله ، كما تبقى رائدة في تطوير هذه المباحث وبلورتها على يد المتخصصين من الاعلام الأصوليين .
ولم يقف عمل المفيد في مجال علم الأصول فقط ، وانما تعدى ذلك إلى مجال الفقه حيث استطاع ان يهذب هذا العلم ، ويبعث مسائله من جديد حيث « أفرد كلّ باب على حدة ، واستخرج الأحكام والأوامر والنواهي ، وجمع ما تشتت منه بعد أن كان الفقه مجرد روايات ، وبذلك استطاع ان يخفف عن رواد العلم التعب الذي كانوا يعانونه من جرْاء ذلك » « 1 » .
من هنا يتبيّن أنّ المفيد استطاع ان يعيد للمذهب الامامي بناءه من جديد بعد العواصف التي أو شكت ان تمزقه في مجال الصراعات الفكرية والسياسية . فقد استخدم نشاطه في « ردّ المتكلمين الذين يخالفونه الرأي ، ونقده لآراء العلماء الموافقين لخطه الفكري » « 2 » . خصوصاً أستاذه ابن الجنيد . كذلك سعى إلى تهذيب العلوم الاسلامية ، وتنظيمها .
من هنا فقد تصدى لمقاومة التيارات الفكرية المتسحدثة كالغلاة ، والقرامطة والزيدية ، والمعتزلة ، وأهل الرأي وذلك بطرق المحاججة المباشرة مع أقطاب هذه التيارات ، أو بوضع المؤلفات التي تناقش أفكارهم ، وتحاول إبطالها .
وقد ساعدته على ذلك عوامل .
1 - ميزاته الفكرية ، واستعداده العلمي .
2 - وجوده في قلب عاصمة الخلافة العباسية ، والتي كانت مجمعاً ضمَّ التيارات الفكرية المختلفة .
3 - الحرّية السياسية والفكرية التي منحها البويهيون لأصحاب الفكر .
مضافاً إلى ذلك فقد أوجد كادراً من العلماء تتولى نيابته في المدن ، والأقطار الاسلامية وقام بتربية « نخبة » متميزة استطاعت ان تحافظ على ( الرئاسة ) المذهبية بعده ، كما ساهمت في تطوير خطه العلمي .
هامش
( 1 ) - المظفر ، المصدر السابق ، ص 1159 .
( 2 ) - حكيمي ، محمد رضا ، ذكرى الفقيه الامامي الكبير الشيخ ، المفيد ، مجلة الثقافة الاسلامية ، العدد السادس عشر ، 1988 ، ص 176 .