لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان » « 1 » ، ويبدو أيضاً أنّ الموهبة العلمية التي تميّزَ بها المفيد وسعة اطلاعه من جهة واحترام الأمراء له من جهة ثانية مكنّاهُ من استحداث وضع فكريّ ، واجتماعي متميّز في ذلك الوسط الذي بدأ الأمتداد الشيعي يدبُّ في أوصاله .
صلة المفيد بالدولة البويهية
كانت صلة المفيد بالدولة البويهية في مبدأ أمرها صلةً وثيقة ، حيث قَدرَّ البويهيون مقامه العلمي ، فأجروا الرواتب لتلامذته ، وخصصوا له جامع « براثا » في منطقة ( الكرخ ) لوعظه ، وإقامة الصلاة جمعة وجماعة « 2 » .
وقد بالغَ عضد الدولة باحترامه ، وكان يقصد زيارته . ويمكن أن نُعللَ سبب اهتمام عضد الدولة بالمفيد إلى وجود شخصيات شيعية كبيرة لم تكن على حال معه وكانت تجنح لتأييد بختيار البويهي ابن عم عضد الدولة ضده ، وابرزها ، أبو أحمد الحسين ابن الطاهر المتوفى سنة ( 400 ه - ) وهو والد الشريفين المرتضى والرضي الأمر الذي يقلل من أهميتها ، ويُسّهل دحرها . وقد نجح عضد الدولة في إبعاد الشريف أبو أحمد إلى شيراز عام ( 369 ه - ) دونَ أنْ يستثير حفيظة أحد من أصحابه « 3 » .
إنَّ الملاءمة السياسية والفكرية أتاحت للمفيد أن يتصدى لمناظرة خصومه الفكريين من معتزلة ، وأشاعرة وزيدية ، واسماعيلية ، ومحدثين ، الأمر الذي ساعده على كتابة مؤلفات عديدة استحدثتها النزعات الفكرية التي نشطت ذلك الحين . ولا يخفى أنّ مثل هذه المؤلفات التي أحصيت له ، والتي قاربت المائتين مؤلف بين كتاب ، ورسائل « 4 » .
تحكي صورة واقعية عن الصراعات الفكرية ، والاتجاهات المعارضة التي كان المفيد أحد الأطراف الفاعلة فيها .
إنّ كتابه « الفصول المختارة من العيون والمحاسن » « 5 » المنتقى من قبل تلميذه المرتضى ، فيه جملة
هامش
( 1 ) - ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 12 ، ص 15 .
( 2 ) - مقدمة الشهرستاني على تصحيح الاعتقاد .
( 3 ) - حول العلاقة بين بختيار ، وعضد الدولة يُراجع : عمر ، د . فاروق ، الخلافة العباسية ، ( بغداد ، 1986 م ) ، ص 468 - 472 .
( 4 ) - ينظر بهذا الشأن : الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، 26 مجلداً . وكذلك الأمين ، محسن ، أعيان الشيعة ، ترجمة الشيخ المفيد . ومقدمة السيد حسن الخرسان على كتاب ( التهذيب ) .
( 5 ) - طبع للمرّة الرابعة في بيروت سنة 1985 م .