طبرستان سنة ( 301 ه - ) « 1 » . ولّما تدهورت الأحوال في عاصمة الخلافة بسبب الصراع على امارة الأمراء ، والحروب بين طوائف الجُند من الديلم والترك ، زحفَ أحمد بن بابويه إليها ، فهرب الجند من الأتراك إلى بني حمدان بالموصل ، بعدما عجزوا عن ردّه ، فاستقبله الخليفة المستكفي ، ووّلاهُ امارة الأمراء ، ولقّبه « معز الدولة » « 2 » .
ومن المتُعارفَ آنذاك أنّ الأوساط السُّنية كلُّها كانت برغم ما بينها من خلافات متفقة على ضرورة استمرارية منصب « أمير المؤمنين » . وقد نجح العباسيون خلال السنين الماضية أن يرسخّوا في ضمير الأمة حقيقة هي أنّ تنفيذ العدالة ، وتوجيه الحياة الدينية ينبغي أن يكونا مسؤولية القائم بهذا المنصب . ولّما كان ذلك لا يضرُّ بأهداف البويهيين السياسية فقد كانوا سعداء بالموافقة على ذلك ، وبالسماح باستمرارية هذا المنصب « 3 » . الا انهّم مع حفاظهم على منصب الخلافة حاولوا سلبَ الخلفاء نفوذهم العام ، فلم يبقَ لهم من الخلافة إلّا مظهرُها « 4 » ، لكنهم عمدوا إلى اطلاق ألقاب من نوعٍ آخر اختصتْ بالخلفاء ، وقد استُعيضَ بها عن التفّوه باسم الخليفة ؛ ومن تلك الألقاب « المقامات الشريفة » ، و « المجلس » ، و « الحضرة » ، وربما كان اتخاذ الخلفاء لهذه الألقاب تعويضاً عن النفوذ المفقود ، أو رغبة في الأحتفاظ بمراسم الخلافة التي ضاعَ سلطانُها الفعلي « 5 » .
وقد نَسبَ بعضُ الكتّاب ، البويهيين إلى المذهب الزيدي « 6 » ، كما نَسبهم آخرون إلى انّهم شيعة « إمامية » « 7 » ، واعتقد باحثٌ آخر أنَّهم « فاطميون » « 8 » . إلّا أنّ بعض الباحثين يرى أن بدايات تمذهبهم كان زيديّاً ، لكنّهم كما يتبيّن من تاريخ أمرائهم عدلوا إلى المذهب الأمامي ، وأنهم باعتناقهم التشيّع الاثنا عشري حاولوا أن يكوّنوا لهم « عصبيّة من العراقيين تحميهم ، وتثبّت ملكهم ، فلم يكتفوا باحياء المناسبات الشيعية ، وإنّما اخترعوا مراسيم جديدة للأحتفال بذكرى مقتل الحسين لم يفطن لها الفاطميون ، ولم يعهدها الزيديون » « 9 » .
أمّا نسبتهم إلى الفاطميين فهي نسبةٌ مستبعدَة ، وليس مهماً أن نُركّز هنا على انتمائهم المذهبي
هامش
( 1 ) - باشا ، د . حسن ، دراسات في تاريخ الدولة العباسية ، ( القاهرة ، 1975 م ) ، ص 86 .
( 2 ) - ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 8 ، ص 148 .
( 3 ) - شعبان ، محمد عبد الحي ، الدولة العباسية ، ( بيروت ، 1981 م ) ، ص 196 .
( 4 ) - باشا ، دراسات في تاريخ الدولة العباسية ، ص 93 .
( 5 ) - المصدر السابق ، ص 94 .
( 6 ) - محمود ، حسن أحمد ، العالم الاسلامي في العصر العباسي ، ( القاهرة ، 1966 م ) ، ص 526 .
( 7 ) - إسماعيل ، نوري علاء ، علم الاجتماع السياسي للشيعة الأثنى عشرية ( بالفارسية ) ، ( طهران ، 1979 م ) ص 45 .
( 8 ) - الشابي ، علي ، الشيعة في إيران ، ( تونس ، 1980 م ) ، ص 133 .
( 9 ) - الشيبي ، د . كامل مصطفى ، الصلة بين التصّوف والتشيّع ، ج 2 ، ( بيروت ، 1982 م ) ، ص 39 .