تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
انتفاضة ضد الفلسفة استوجبت ركود الفكر الفلسفي في الاسلام . ظلال الفلسفة اليونانية الواسعة وتأثير أرسطو وأفلاطون في الفكر الاسلامي أوجب انحراف العقلانية والأفكار المنبثقة من الاسلام تارة ، والتوصل إلى الطريق المسدود تارة أخرى ، فتراه ينقد المثل الأفلاطونية حيناً والتشتت الذهني الفلسفي حيناً آخر . ومن كل هذا النقد يصل العلامة اقبال إلى أن القرآن يوقض روح التجربة في الانسان ، ويدعوه إلى الطريقة التجريبية ، وهذا لا يختص بالمسائل العلمية فقط بل يقدم تفسيراً تجريبيا للجانب الديني والمعنوي أيضا . ويرى ان ما حصل في أوروبا من انقلاب علمي واتباع للطريقة التجريبية هو من ثمار الحضارة الاسلامية لا غير . تأثرا بالطريقة التجريبية في الاسلام المستقاة من القرآن الكريم . فباعتقاده ان الثقافة الاسلامية بامكانها ان تصل إلى اعماق الروح الانسانية ، وتنير له طرق السعادة ، وهذا يختلف عما جاء في الفكر الأوروبي من العالم المثالي والمثالية . ومع الأسف وقد تخلى المسلمون عن هذه الروح ، وغابوا في نوم عميق ، واكتفوا بالطقوس الدينية فقط ، فقد أثمرت الفلسفة الغربية المثالية الفاقدة للروح الحركية ، وأطلت بظلالها على العالم كله ، وحوصر الفكر الاسلامي النابض والحركي في قفص العقول المغلقة للمسلمين ، وحرم من الطيران والتحليق في سماء البشرية ، وقد همّ اقبال لتحرير هذه الروح وتعريفها للعالم الانساني . كان يسعى إلى تجديد الحياة الاسلامية ، ويذكر لهذه الحياة علائم منها اتحاد الأمة الاسلامية ؛ فبالوحدة تترابط الأمة وتحيا ، وبالتفرقة تتشتت وتموت ، فكما ان الجسد الميّت يتلاشى ويتشتت ، وبالحياة يتوحد الجسد ويتآلف ، فهو يرى أن العامل الثاني للحياة هو العلم والاطلاع ، فمنذ ان ابتعد المجتمع الاسلامي عن العلم والتعلم فإنه لم يحصد سوى التخلف والانحطاط . وتحول المجتمع الاسلامي إلى مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة منذ خمسائة سنة عندما مات التفكر وقامت الحروب الطائفية وفقدنا الأندلس وسيطر الاستعمار علينا وفقدنا المظهر المشرف أيضا . فطالب بالابتعاد عن الفلسفة العقلية التقليدية الداعية إلى الجمود وثبات المكان والزمان ، ودعا إلى أصل الحركة في البناء الاسلامي الجديد . وطالب بالاجتهاد المتحرك الذي ينطلق من أصل الدين ، والابتعاد عن الركود في الفكر ، فخلاصة كلامه هي الوصول إلى فكر جديد يتناسب مع متطلبات العصر ، مستقى من روح الثقافة الاسلامية . وخلافا للبعض الذي ينتظر اعجازا يسقط الغرب ويرفع الاسلام ، كان ينظر للأمور بواقعية ؛ فالتقدم الاسلامي لا يحصل الا برفع عوامل الانحطاط وتطبيق وايجاد علل وأسباب النمو والتقدم الاسلامي .
رجالات التقريب — صفحة 167 | محمد مهدي التسخيري