تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
أفكار لم تكن من قبله ، ونفخ فيها روحاً سرية ظهر عليها طابع عرفانه وفضله ، فنشطت همم واستجدت عزائم ، وهبت قوى وفاضت قرائح . وقال الشيخ محمد عبده في وصف تلك الحركة ما يأتي تقريباً - لأن نصّ كلامه ليس بيدي الآن - : فاستنارت الألباب ، واستضاءت البصائر ، وانحلّت عقل الأوهام عن قوائم العقول . . . إلى أن قال : إنّه لم يكن بمصر للكتابة قبل جمال‌الدين شأن يذكر ، ولم يكن يعرف من الكُتّاب سوى عبد الله باشا فكري وخيري باشا ، وفلان على ضعف فيه ؛ وفلان على اختصاص فيه ، وبقية من بقي : فإمّا ساجعون في المراسلات الخاصة ، وإمّا مؤلفون في بعض الكتب الأدبية . . . الخ . ولم تكن الثورة التي أحدثها السيد جمال‌الدين في السياسة بأقلّ منها في المعارف ، ولعمري هاتان توأمان ، فقلما انتشر العلم في مكان إلّا هتف بالحرية . وأول أثر ظهر لجمال‌الدين في ميدان السياسة ، هوالحركة التي هبت في أواخر أيام الخديوي إسماعيل باشا وآلت إلى خلعه من الخديوية ، وكان للسيد اليد الطُّولى فيها ، ولمّا جلس توفيق باشا على كرسي مصر شكر لجمال‌الدين مساعيه ، لكن لم يطل الأمر حتى دبت عقارب السعاية في حقّه ، وجاء من دسّ إلى الخديوي الجديد : أنّ السيد لن يقف عند هذا الحد ، وقد تحدّثه نفسه بثورة ثانية ، وبإقامة حكم جمهوري وما أشبه ذلك ، مما لا يعيي [ عن ] تنميقه السعاة والمتملّقون ، فصدر الأمر فجأة بنفي جمال‌الدين وأخرج إلى السويس ، ومنها ذهب إلى الهند ، ولم يدخل بعدها مصر . وجرت الحركة العرابية في غيابه ، واحتلّ الانكليز مصر ، ومما لأمراء فيه أنه المبدأ الوطني - الذي رأس تلك الحركة - كان من زرعه هو ، ون كان هبّ على ذلك الزرع ، من سموم الجهل ونقصان التربية السياسية ، ولفحه من الدسائس الأجنبية ماصوح نضرته ، وأذهب ثمرته ، شأن تلك الدسائس على كل نهضة تحدث في الشرق أوحركة إلاح تشفق من ورائها الدول أن تتمزق حجب الغباوة التي هي أصدق عوامل الاستعمار ، إلّا أنّ ذلك الزرع لم تذهب بزرته من الأرض ، وعاد فأخرج شطأه ، وما زال ينمو حتى استوى على سوقه ، يعجب جمال‌الدين لوعاش إلى اليوم ، ويغتاظ به الذين لا يبرحون مماطلين في الجلاء عن مصر . .