وصادف بعد ذلك أنه ذهب إلى لندرة مرة ثانية ، فحرّر في مجلة سمّاها « ضياء الخافقين » مقالات على أحوال فارس تقيم وتقعد ، وكان السلطان عبد الحميد قد دعا السيد جمالالدين إلى الآستانة وذلك في سنة 1892 ، فجاءه وكانت هذه المرة الثانية لدخوله هذه العاصمة ، إذ كان قد عرف الآستانة مرة قبلها في زمن السلطان عبد العزيز . هذا ولما كانت سبقت لمحرر هذه السطور معه مراسلات بواسطة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبده كان أول من سألت عنهم عند سفري الأول إلى أوروبا سنة 1892 المذكورة ، هوالمرحوم السيد جمالالدين ، فقيل لي : إنه قصد الآستانة ، وأظهر لي التخوّف على مصيره بالآستانة هنري روشفور ، الكاتب الفرنسي الشهير ، الذي عرفته وهومنفي بلندرة . وكان روشفور يحب السيد جمالالدين ويحترمه ، وقد وصفه في كتابه « ماجريات حياتي » بقوله هكذا على أسلوبه الخاص به في الكتابة : « السيد جمالالدين الأفغاني من رسالة النبي ، والمعدود هو إيضاً أنّه أشبه بنبي » ثم قال : « إنّني شعرت نحوهذا الرجل بعاطفة الحب التي أجدها تربطني بكل داع إلى ثورة أو مقام لسلطة » .
ولما ورد السيد جمالالدين الآستانة أنزله السلطان منزلًا كريماً ، في دار ضيافة خصه بها في نشان طاش ، وأجرى عليه الأرزاق الوافرة ، وكان يدخل على السلطان ويصلّي صلاة الجمعة معه ، ومضت مدة وجمالالدين حظي عند أمير المؤمنين ، لاخوف عليه ولا هو يحزن ، وكان الجو لم يسفر بينه وبين السيد أبي الهدى الصياد ، فنشأ ذلك أجلّ القصص بحقه إلى السلطان ، وانما كانت تلك فترة لا يعبأ بها ، إذ ماعتم الأستاذ الصيادي أن وجّه عليه حملاته عند مولاه ؛ واندفع يتهم جمالالدين بالكفر والزندقة ، كما هو ديدن هؤلاء في شأن كل من أرادوا تنقصه من أعدائه ، وهم السيد فضل العلوي الحضرمي أمير ظفار ، والشيخ ظافر المدني الطرابلسي شيخ الطريقة الشاذلية ، والسيد جمالالدين الأفغاني ، وثلاثتهم كانوا من المقربين إلى السطان ، وكان لكل منهم نصيب وافر من الشتم والوقيعة في هذه النشرة ، وحصّة السيد جمالالدين تهمة الالحاد وفساد الاعتقاد . ومن جملة الشواهد على ذلك كونه قال مرة : « أنا أطوف بأشجار البندار طواف الحجيج بالكعبة » . والبندار هي السدود بالتركية ، وذلك أنّه يوجد محل نزهة بظاهر الآستانة قد سد السلاطين العظام فيه أودية بحيث تكوّنت منها بحيرات لسقيا العاصمة ، وقد أحاطت
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 96
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٩٦