تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ثم شرع بترجمته على الوجه الصحيح ، الذي هوأدرى به من كلّ مترجم غيره ، بمكانه من خلطة السيد الأستاذ ، وما له به من تمام الخبرة ، ومعه من أطول العشرة . فذكر نسبه ، وحسبه ، ومولده ، ومنشأه ، ورحلته ، ومذهبه في السياسة ، ومذهبه في الفقه ، وقال في هذا : « إنّه حنيفي حنفي مع ميل إلى مشرب السادة الصوفية ، رضي الله عنهم » . وذكر في مذهبه السياسي أنّه كان جلّ اجتهاده في أن‌يرى إحدى الدول الاسلامية ، في صف كبريات الدول الأوربية . وأطال في وصف مواهبه العقلية ، وقدرته العلمية ، إلى أن قال : « وبالجملة فلو قلنا : إنّ ما أوتيه من الذكاء ، هوأقصى ما قدّر لغير الأنبياء ، لكنّا غير مبالغين » . ووصف شمائله الباهرة ، وأخلاقه العظيمة ، وهممه العالية ، وشجاعته التي لا تعرف للموت معنى ، وعدم مبالاته بالدنيا وانتهى إلى قوله فيما أتذكر : « وهوحليم يسع حلمه ما شاء الله أن يسع ، إلى أن يدنو أحد ليمس دينه ، أوشرفه ، فينقلب إلى غضب تنقض منه الشهب ، فبينما هوحليم أواب ، إذا هوأسد وثّاب » . قلت : وسترى عاقبة غضبه عندما أهانه الشاه ناصر الدين ملك العجم ، والصورة الفجيعة التي انتهى بها ذلك الخلاف ، مما سنرويه لك في آخر هذه الترجمة . وقد اتفق أرباب النظر في هذا العصر ، على أنّ قدوم السيد جمال‌الدين الأفغاني إلى مصر كان مبدأ الحركة الفكرية ، التي بدأت في البلاد العربية وسائر الشرق الأدنى ، ولم تزل تنمو إلى الآن ، رامية أيّ تحقّق الشرق بالمعارف التي ساد بها الغرب ، ورفع سيطرة هذا عن ذاك ، وإعادة الشرق سيرته الأولى من الرقي . ولم يقرأ السيد جمال‌الدين على أحد بالأزهر ، ولكنّه كانت له حلقة خاصة في منزله انتظم فيها عدد من أدباء القطر ، يستفيضون بحر حكمته ويستمطرون صوب صوابه ، اشتهر منهم الشيخ محمد عبده ، والشيخ عبد الكريم سلمان ، وإبراهيم أفندي اللقاني ، والسيد وفا القوني ، وسعد باشا زغلول ، الذي قيل لي : إنّه أدرك أخريات أيام السيد بمصر ، ولازمه ثلة من أدباء الشام النازلين بمصر ، مثل أديب إسحاق ، وسليم النقاش ، وسعيد البستاني ، وغيرهم واندفع مريدوه وحملة علمه ، يكتبون ويخطبون وينثّون إلى الملأ ما التقطوه من فوائده ، وانتظموه من فرائده ، وكان ذلك لسانا عالياً لاعهد للناس بأمثاله ، وأسلوباً راقياً انقطعت منذ قرون عديدة نسبة رجاله ، فأحدث في الأمة حركة