جمالالدين رحمه الله هومنهم ، كما أني سمعت ذلك من جميع رجال الدولة الأفغانية وسفرائها ، الذين جمعتنا بهم التقادير في أوروبا بعد تأسيس سفارتهم بها ، فلا أعلم كيف تتفق كل هذه الروايات من أهل تلك الديار ، على كون المترجم أفغانياً أو علوياً حسينياً ، من أسرة نسبتهم كالشمس ، ومقامهم في بلاد الأفغان أشهر من أن ينوه به ، ويكون في الحقيقة من همذان ومولوداً بها ؟
ونقول على الثاني : إنّ الأستاذ الشيخ محمد عبده تعرض إلى إدحاض هذه التهمة أكثر من مرة وعرّب من الفارسية مساعدة عارف أفندي أبي تراب الأفغاني رسالة « النيتشريين » أي الطبيعيين التي يرد فيها السيد جمالالدين على الملحدة والمعطّلة ، ويقيم العقيدة الإلهية على أساطين المنطق ، والحكمة العقلية ، ويثبت صحة الوحي ، وينتهي إلى إيضاح البراهين المحمدية ، كل ذلك بملكة قلّ أن تتاح قوتها لفيلسوف غيره ، ولكن بعض الناس - ولا سيما العلماء الحشوية - أبوا أن يروا في الفلاسفة إلّا ملحدين ومعطلين ، ومن هذا جاء قولهم العامي : من تمنطق تزندق . وبمثل هذه المبادئ السخيفة والكلمات المحزنة ، أضلّوا العوام ، ووضعوا عقائدهم في خصومة دائمة مع الحقائق العلمية ، وجنوا على الاسلام جناية كبرى ظهر أثرها في الانحطاط السياسي والاجتماعي الذي نراه عليه الآن .
وإذا قام مصلح أومجدّد يتكلم باسم الحكمة والعلوم العالية ، ويحث على النظر ، وينهى عن التقليد ، ويبين مضارالجمود ، كان أول ما يتسرّعون إليه رميه بالزندقة ، واتهامه بوهن العقيدة . وقد يصادق ذلك هوى في أفئدة من يميلون إلى التعطيل فعلًا ، فيلقفون ما يسمعونه من هذا القبيل بدون تشبث ، ويسارعون إلى إذاعته بين الناس ، لأنّ من أحب شيئاً أحب أن يرى كبار الرجال شركاء له فيه ، ولهذا صدر الأستاذ الشيخ محمد عبده رسالة الدهريين ، التي أسلفنا ذكرها ، بمقدمة في ترجمة حال أستاذه السيد جمالالدين قال فيها تقريباً ما يأتي : « يحملنا على ذكر شيء من سيرة هذا الرجل ما نراه من اختلاف آراء الناس في أمره ، وتضارب أقوالهم في حقيقة حاله ، حتى كأنه قوة روحية قامت في كل ذهن بما يلائمه ، أوحقيقة كلية نزلت في كل عقل بشكل يشاكله ، والرجل على صفاء جوهره ، وزكاء مخبره ، لم يتناوله وضع الوضاعين ، ولاحرز الخرّاصين . . . الخ » .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 92
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٩٢