لقح في شفته بمادة سامة ، سببت له حالة مرضية تشبه السرطان ، ويقولون : إنّ ذلك من كيد « أبي الهدى » . وأمر السلطان بدفنه لساعتين من وفاته ، فسير نعشه بين جموع عديدة من الشرطة مخافة فتنة مباغتة من أنصاره الذين كانوا في ريب من أسباب موته .
هكذا مات السيد جمالالدين وشيّعت جنازته بعدَ أن عاش رجلًا ممتازاً مؤثراً في حوادث الشرق الاسلامي خلال عشرين سنة أكثر مما أثر فيها أي رجل آخر من أهل زمانه .
وقد عاش متنقلًا في البلاد منذ طفولته ، فزار بلاد العرب ، ومصر ، وتركيا ، وأقام بالافغان ، والهند ، وفارس ، واتصل بحكومة الأفغان في شبابه مشتركاً في حروبها الداخلية ، كما اتصل بحركات النهوض في كل بلاد الشرق التي حلّ بها ، وزار كثيراً من العواصم الأوربية وكتب في جرائدها ، وخطب في مجامعها ، وخالط رجال السياسة والعلم والأدب فيها ، وشهد دسائس الاستعمار الإنجليزي والافعاني والهند ، وطارده الإنجليز في مصر وغيرها ، وأماتوا مجلة العروة الوثقى في مهدها ، ووضعوا العقبات في سبيله أنَّى سار ! ! !
من أجل ذلك لم يتعلّق ببلد من البلاد على أنّه وطن ، ولم تدخل فكرة الوطنية بهذا المعنى في مذهبه الاجتماعي ، ومن أجل ذلك اشتد كرهه للانجليز وعاش عدواً لهم لدوداً . هوقد رأى الرقي في بلاد أوروبا ، ورأى الانحطاط في بلاد الشرق التي زارها ، شهد نفوذ الأجنبي فيها وسوء أثر الحكم الاستبدادي ، فتوجّهت فكرته إلى إنهاض تلك البلاد جملة وفرادى ، ولهذه الممالك الشرقية الاسلامية حبّ في نفسه ينظمها جميعاً .
أمّا أساس النهوض لهذه البلاد عنده فهو خلاصها من سلطان الأجنبي ، وخلاصها من الحكم الاستبدادي ، ثم تلاؤمها بنوع من الوحدة يقوي التناصر بينها ، ويكفل لها الغلب .
وإنّ استيفاء النظر في تاريخ السيد جمالالدين هو كما يقول الأستاذ « براون » : إحاطة بتاريخ المسألة المشرقية كلها في الأزمان الحديثة ، يدخل في ذلك تاريخ الأفغان والهند ، ويدخل فيها بوجه أخص تاريخ تركيا ومصر وإيران . وفي هذه البلاد الثلاثة الأخيرة لا يزال تأثيره حياً .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 87
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٨٧