الصفتين ( الوحدة والسيادة ) في ضمائر أبنائه . اذن يخلق الله عز وجل ذلك شعباً كاملًا ، ويمنح له الحياة بمقدار ما يظهر ذلك الشعب من لياقة في التجلّي بهاتين الصفتين ! فكلّ شعب تكون سواعده غير قادرة على الدفاع عن نفسه ، وعاجز عن منع الآخرين من التدخّل في شؤونه ، وغير قادر على تقوية أصالته وتحكيم حياته الاجتماعية واستقلاليته ، فلابد أن يتقوض في كلّ يوم يمرّ عليه ، ويتحطم ويسحق وتمحى آثاره من الأرض !
فالنصر في الشعوب يشبه الغذاء في الحالة الفردية . فلو لم يتناول الجسم الغذاء لبعض الأيام فإنّه يتوقف عن الحركة ويتوجّه نحو الهزالة والضعف ، ويموت في نهاية المطاف فليس من الممكن أن يستطيع ذلك الشعب المحافظة على قوامه ويهاجم خصمه الذي يعمل نحو تقوية بقائه إلّا في حالة بلوغه درجة من سدّ حاجة النظام الاجتماعي .
فلو شعر الشعب برغبة إلى الوحدة والاتحاد ، فلابد وأن يبشّر ذلك الشعب بتحقيق الوعد الذي قطعه الله عز وجل له من السيادة والرفعة . ولو بحثتا في تاريخ كل أمة وقوم واطلعنا على أخبار بقائهم وفنائهم ، فانّنا سنبلغ بالتأكيد سنّة الله السائدة بين الجموع البشرية ، وندرك بأنّ حصة كل شعب وحظّه في بقائه تكون بمقدار وحدته واتحاده ، ويكون تعداد عظمته ومقدارها بتعداد ومقدار قوته ودفاعه واكتسابه للنصر .
فكل شعب بمقدار ما يخسر من اتحاده ووحدته يقلّ من شأنه وعظمته بمقدار ذلك الخسران . وعندما يهمل الشعب رساميله المتوفرة لديه ، ويكتفي بهممه الدانية ، ويقف على بوابات داره وبلده وينظر إلى السائرين في ركابه بتشاؤم ، فإنّ الله عز وجل لم يهلك اي قوم إلّا جرّاء تفرّقهم عن بعضهم ، حالة التشاؤم والتفرقة التي فيهم . وسيكون المصير الحتمي لهذا القوم المذلة والمسكنة الطويلة والعذاب الأليم واخيراً الموت والفناء . « 1 » نعم إن ضمانة بقاء الشعب هو اتحاده الوطني والانسجام الاسلامي بين أبنائه
هامش
( 1 ) - المصدر نفسه ، ص : 164 - 163 .