الظروف التي دعت السيد إلى المجيء
جاء السيد إلى الآستانة منتصف عهد عبد العزيز ، الذي حكم من سنة 1860 م إلى سنة 1876 م . وهنا يستحسن أن نرى مجمل الظروف التي كانت محيطة بالدولة ، والتي لعلّها كانت الدافع الذي جذب السيد أليها . ونورد هنا بعض الأرقام دون ترتيب . كانت فرنسا قد احتلت الجزائر منذ سنة 1830 م . وقضت نهائيّاً على المقاومة في قسطنطينة عام 1836 « 1 » ، كما كانت قد حصلت الحروب المشهورة بين السلطة العثمانية ومحمد علي باشا ، حيث تدخلت الدول الأوروبيّة مجتمعةً ، رغم عدائها للدولة ؛ لتمنع محمد علي من متابعة سيره نحو استانبول خوفاً من قيام دولة اسلامية قويّة وموحَّدة وإبقاء على الدولة العثمانية ضعيفة ؛ ليمكن اسقاطها وتقاسم ولاياتها فيما بعد . « 2 »
انتهت هذه الحروب سنة 1832 م وعقدت معاهدة كوتاهية سنة 1833 بعدما ترك للطرفين أن يُستنزفا ، فزاد ذلك من وهن الدولة . . . وبسبب التنافس الأوروبي على اقتسام الدولة العثمانية ، وتوزيع اسلابها ، توقّف الزحف الأوربيّ الاستعماري حوالي نصف قرن . « 3 » وفي سنة 1860 م احتلَّ الجيش الفرنسي بيروت لمدة تسعة أشهر بعد الحرب الطويلة ، التي أشعلتها أوروبا بين الطوائف تمهيداً لإنشاء الكيان اللبناني الماروني المستقل ذاتياً في جبل لبنان تحت اسم « لبنان الصغير » فكانت تلك أوّل تجربةٍ حدثت في الجسم الداخلي للأمّة .
حدث هذا والكثير مثله قبل عبد العزيز مباشرةً ، وقبله بزمن طويل كنتيجةٍ طبيعيّة لحالة الضعف التي كانت تستشري في جسم الدولة . يقول الدكتور محمد عبد العزيز
هامش
( 1 ) د . عبد العزيز محمد الشناوي - الدولة العثمانية ج 2 ص 956 - وفي صفحة 912 من نفس المصدر يقول الدكتور الشناوي : « إن إقليم الجزائر كان أول إقليم من أقاليم شمال إفريقيا يدخل تحت السيادة العثمانية ، وأصبحت الجزائر ركيزة حربية للدولة العثمانية لتمدّ نفوذها بعد ذلك إلى إقليمين آخرين هما طرابلس الغرب وتونس إنقاذاً لأقاليم اسلامية عربية تعرضت لغزوصليبي منظم وعنيف من سكان شبه جزيرة إيبريا » .
( 2 ) . راجع الدكتور وجيه كوثراني ( وثائق المؤتمر العربي الأوَّل 1913 ) - دار الحداثة - بيروت - ط 1 من ص 29 إلى ص 31 - كذلك المصدر السابق ج 2 - ص 956 .
( 3 ) . الدكتور الشناوي - الدولة العثمانية ج 2 ص 958 .