المطاف إلى اسطانبول حيث مات ، ولكن تعاليمه الحية بقيت حية تلهم الأجيال من الثائرين .
وكلمتي هنا عن الأفغاني ليست بحثاً بالمعني الدقيق ، بل هي إشارات أو ملاحظات قد تصلح لأن تكون مادة لاستكمال تاريخ الأفغاني ، ولتاريخ الحركات الفكرية التي ظهرت في الشرق الاسلامي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وامتدت إلى وقتنا هذا . وهي ضرورية بوجه خاص لفهم النهضة التي بدأت تلقي أضواءها على الجامعات الاسلامية العتيقة في فجر ما سمّاه « ألبرت حوراني » باسم « العصر الليبرالي » أوعصر التحرر ، والتنوير .
وعلى الرغم من أنّ الأفغاني لم يؤذن له أن يدخل الأزهر ، فإنّ شهرته كانت قد سبقته إلى القاهرة منذ زارها أول مرة سنة 1869 ، وتقاطر طلاب الجامعة الأزهرية إلى لقائه ، وكان أول مريديه منهم الإمام محمد عبده ، وبفضل الأفغاني تحوّل محمد عبده عن التصوف إلى المشاركة في الحياة العامة ، وتحوّل من مناصرة الأشاعرة إلى مناصرة المعتزلة .
وأول ما أودّ أن أسوقه من ملاحظات هو أنّ التاريخ الحقيقي لأيّ بلد أو أيّ أمة هوتاريخها « الجواني » إذا جاز هذا التعبير ، وأعني به ذلك الذي لا يقتصر على رصد الحركات الظاهرة ، والنظر إليها من الخارج ، وكأنّه يرصد حركات الاجرام السماوية أو يتفرج على مشاهدة مسرحية دون أن يتفاعل معها أو يعانيها من الداخل ، وإذا جاز لي أن استعير تعبير « المتضمنات » الذي يستعمله الأستاذ جاك بيرك في هذا الصدد ، قلت : أنّ اهتمامي عند الحديث عن الأفغاني إنّما ينصبّ عن المعاني في القاهرة بعد مجيء ذلك العبقري إليها ، وتردّده عليها زمناً طال أوقصر . ولكن ممّا لا شك فيه أنّ مثل هذه الواقعة قد تركت آثارها العميقة عند الكثيرين من شباب المسلمين ، أزهريين وغير أزهريين .
والمعنى الأول : من معاني هذه الايديولوجية هوالدعوة إلى قيام « نظام نيابي » لمصر ولغيرها من البلاد الشرقية ، بدلًا من النظم السائدة ؛ كالسلطنة أو الامارة أو الخلافة أو الخديوية أو الملوكية .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 244
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٤٤