والبصيرة ، وأنّ الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل وإطفاء نور البصيرة . « وواضح أنّنا هنا نكاد نسمع صوت أبي العقلانية الحديثة ، الفيلسوف الفرنسي ديكارت » .
والمعنى السادس : هوالدعوة إلى ما يمكن أن نسمّيه باسم « الجامعة الشرقية » ولا يسعني هنا إلّا أن أخالف الكثيرين ممّن كتبوا عن الأفغاني ، فحصروا دعوته في الاتجاه إلى « الجامعة الاسلامية » فالافغاني إنّما كان يريد وحدة شرقية عامة تكفل لدول الشرق سيادتها وتحرّرها من طغيان الغرب . وكان يريد أن يكون « مواطناً للشرق » كلّه إن لم ييسر له أن يكون « مواطناً للعالم » ، على غرار « الحكيم الرواقي » القديم . ولا عجب فقد كان ذلك الشرق هو شغله الشاغل ، يهتف باسمه في حلّه وترحاله ، وكأنّ لسان حاله قول شاعرنا العربي المعاصر :
طمع ألقى عن الغرب اللثاما فاستفق يا شرق واحذر أن تناما
ولا حاجة بنا إلى الإطالة في بيان أثر مدرسة الأفغاني التي سيطرت على الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والأدبية في مصر المعاصرة ، من محمد عبده إلى سعد زغلول ، إلى قاسم أمين ، إلى لطفي السيد وعلي عبد الرزاق ، لقد أصبحت تضحية الأفغاني - في نظر الشعوب الشرقية - رمزاً حياً للكفاح المتواصل من أجل التحرر السياسي ، وأضحى اسمه علماً خفاقاً للاصلاح المستنير النازع إلى صوت كرامة الانسان ، الساعي إلى إيقاظ الشعور بحقّ المواطن في البلاد المغلوبة على أمرها ، أو الواقعة تحت نير الاستعمار الغربي .
فدعوته في صميمها دعوة إلى الحياة الكريمة ، وارتفاع عن حياة الذلّ والمهانة ، وكأنّ لسان حاله ما عبّر عنه الشاعر العربي حين قال :
عش عزيزاً أومت وأنت كريم * بين طعن القنا وخفق البنود