ومقام النبوة التي اختصّ بمنحها من شاء » .
ثم يمضي الأستاذ الامام يعيب على ما أدخله بعض المسلمين في الدين من بدع أكلت الفضائل ، وحصرت العقائل ، ويقول رحمه الله : أما لو رجع المسلمون إلى كتابهم ، واسترجعوا باتّباعه ما فقدوا من آدابهم ، لسلمت نفوسهم من العيب . . . إلى آخر ما أوردنا . في بداية هذا البحث .
ولا يتسرّب اليأس إلى نفس الامام ، وهي التي مضت طول حياتها تبثّ الثقة في النفوس الخائرة ، وتدعو إلى عدم القنوط ؛ لأنّ الله وعد المسلمين النصر إن هم اتجهوا اليه وتخلّصوا مما ران عليهم من ضعف . يقول إمامنا : أما فليعلم كل من يخدع نفسه أنّ الاسلام إن طالت به غيبة فله أوبة ، وإن صدعته النوائب فله نوبه ، ويستشهد بقول قسيس انجليزي شهير أسحق تيلرانه ( اي الاسلام ) يمتد في إفريقيا ومعه تسير الفضائل حيث سار . ويؤكّد محمد عبده أنّ الاسلام لا يزال ينتشر في الصين وغيره من أطراف آسيا ، وسترشده الحوادث إلى طريق الرجوع إلى طهارته ، وتنثني به الملمات إلى ما كان عليه لأول نشأته ، وتدرك منه الأمم منه خير ما ترجو إن شاء الله .
« لو أسلمت الأمة الفرنساوية بأمرها ، وفي مقدمتها مسيو هانوتو وكانت معاملتها لغير الفرنساويين على ما نعهده في الجزائر ومداغسكر ، هل ترجومن سكان مستعمراتها أن يميلوا إليها ، وأن لا ينتهزوا الفرص للثورة عليها ؟ كلا فما ظنّك بالمسلمين وهم يسمعون قصف هذا الرعد ، ولا يرون من المتغلبين عليهم الّا الجد في إهلاكهم ، والدأب في إفنائهم . إنّ القول ورعاية الحقوق واحترام المعتقدات بعد معرفة أصولها هي التي تخفّف على المغلوب سلطة الغالب ، وتدنو به منه ، وتهون عليه الرضاء عنه . ولكن هانوتو وأضرابه من ساسة الفرنسيين لا يعرفون شيئاً من هذه الأركان الثلاثة ، ولا يزالون يهرقون بما لا يعرفون حتى يصلوا إلى ما كانوا يحسبون : فلينتظروا إنّا معهم منتظرين » .
وظلّ قلب محمد عبده معلّقاً بالجزائر ، فما إن بادر صاحب جريدة الأهرام آنذاك ، وأجرى حديثاً في باريس مع هانوتو استوضح منه الدوافع التي دفعت به إلى ما كتبه عن الاسلام ، حتى بادر محمد عبده مرة أخرى يردّ على ردّ المسيو هانوتو .
كان هانوتو قد أفصح لصاحب الأهرام عدم رضاه عن دعوة الجامعة الاسلامية التي قويت آنذاك ، وكان قد أوضح لصاحب الأهرام أيضاً أنّ الرابطة الوطنية هي من وجهة
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 234
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٣٤