نظره أهم من الرابطة الدينية التي تنادي بها الدولة العثمانية آنذاك . وكان صاحب الجريدة قد سأل هانوتو : إذا كنت تحب مصلحة المسلمين وتعتقد أنّهم راضون في تونس ، فهل تعتقد ذلك في أهل الجزائر ؟
فأجاب هانوتو : أمّا التونسيون فلا خلاف في أنّهم مسرورون بحالتهم ! ! ويمضي هانوتو يقول : نحن دخلنا بلادهم وهي قاع صفصف مزّق شملها أفراد حكومها . وأمّا نحن فقد تركنا للسكان حقوقهم المذهبية ، فاحترمنا جوامعهم وعقائدهم ، ولم نسألهم إلّا أمراً واحداً ، أي احترام سلطتنا السياسية . ويقول هانوتو : ولا أنكر أنّه يجب تعديل بعض قوانين الجزائر ، وقد شرعنا في ذلك ، وسأكتب كثيراً في هذا الموضوع لانّي ذهبت بنفسي إلى تلك البلاد ، ودرست أحوالها ، وأملي أن لا يمضي طويل زمن حتى ترى ذلك الإصلاح الذي طلبه غيري قبلي ، وشرعت حكومتنا في إنفاذه .
وقرأ محمد عبده ردّ هانوتو فبادر يردّ عليه على صفحات المؤيد في 28 ربيع الأول سنة 1318 ه - ( 25 يوليوسنة 1900 م ) العدد 3210 وقال رحمه الله : إنّه يرجو من صحيفة المؤيد أن ترسل ردّه مترجماً بالفرنسية إلى هانوتو ليطلع عليه . ونفى محمد عبده في ردّه أنّ سياسة الدولة العثمانية سياسة دينية ، بل إنّ هذه الدولة وضعت في بلادها قوانين مدنية ، وشرعت نظاماً لطريقة الحكم ، وعدد الحاكمين ومللهم ، وسمحت أن يكون في محاكمها أعضاء من المسيحيين وغيرهم من الملل التي تحت رعايتها . « والذي أحبّ أن يعرفه مسيو هانوتو أنّ سياسة الدولة العثمانية مع الدول الأوروبية ليست بسياسة دينية ، ولم تكن قط دينية من يوم نشأتها ، انّما كانت في سابق الأيام دولة فتح وغلبة ، وفي أخرياتها دولة سياسة ومدافعة ، ولا دخل للدين في معاملاتها مع الدول الأوروبية » .
وروى محمد عبده في ردّه قصة طريفة قال فيها : إنّ أحد أبناء جبل لبنان ممن تعلّم في مدارس التبشير في لبنان ، كان ساذجاً ، فذهب إلى باريس 1884 واتصل بأحد السوريين المقيمين في باريس ، وطلب منه أن يكون وسيلة في نيل ما يرغبه من معونة الحكومة الفرنسية لإنشاء مدرسة في لبنان ، فقال له صديقه : إنّ ما تخيّلته أنّ فرنسا لا تساعد أحداً دون مقصد وغاية ، وأنّ الحكومة الفرنسية وإن كانت تطرد الجزويت من بلادها وتنازع الكنيسة في سلطتها ، لكن سياستها في الخارج دينية محضة ، ويمكن أن
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 235
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٣٥