فهو يقيناً فلاح ، يلبس جبة زرقاء ، وعمامة بيضاء ، ولا يتكلّم الفرنسية ولا الإنجليزية ولا التركية ، انّما يتكلم العربية لغة قومه ، وتلك أول مرة يزور فيها الشيخ بريطانيا ، ليرى بعينيه البلاد التي كانت السبب في نكبة وطنه . .
وسأل الصحفي البريطاني محمد عبده عن رأيه في الحالة السياسية في مصر ، فردّ عليه يقول : إنّنا معشر المصريين من أرباب حزب الحرية ، كنّا نظنّ أن الإنجليز يناصرون قضية الحرية ، لكننا لم نعد نعتقد بمثل هذه الظنون ، فانّ الحقائق أقوى وأبلغ من الأحلام ، إننا نرى أنّ انتصاركم للحرية هوانتصار لما فيه مصلحتكم ، وأنّ عطفكم علينا كعطف الذئب على الحمل ، لقد قضيتم على عناصر الخير فينا لكي يكون لكم من ذلك حجة للبقاء في بلادنا .
وعاد الإمام يقول للصحفي البريطاني : لم لا تغادرون بلادنا في الحال ؟ لقد علّمنا الإنجليز شيئاً واحداً هوالتضامن في رغبتنا أن نراهم يرحلون عن بلادنا ، حتى اننا أردنا أن نحطّم استبداد حكّامنا ، ولكننا الآن نعلم أنّ هناك ما هو شر من استبداد الحكّام ، أنّ لنا إليهم رجاءً واحداً هو أن تغادروا بلادنا من غير رجعة .
ولمّا سأله الصحفي الإنجليزي عن مشاعر المصريين نحوتوفيق ، بادره محمد عبده بقوله : إنّنا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبهم بريطانية .
وقال له الصحفي : إنّ فرنسا تريد احتلال بلادكم بدلًا عنا ! فردّ عليه الامام : إنّ الفرنسيين يعلمون أننا لا نقبل حكمهم كما لا نقبل حكمكم ، إنّنا لا نريد لوطننا حكّاماً أجانب معنا ، كائنة ما كانت بلادهم ، ونحن نعرف كيف نجعل حكمهم فينا أمراً مستحيلًا .
ولمّا تعلّل الصحفي بحماية بريطانيا للأقليات في مصر ، أجابه محمد عبده بأنّه لا نزاع بيننا وبين المسيحيين طالما عاشوا في ظلّ قوانينا ولم يتدخلوا في شؤون حكومتنا ، والمذابح التي حدثت كان سببها الإنجليز أنفسهم ، أنّ وصول اسطولكم إلى الإسكندرية هو سبب كلّ هذه الاحداث .
وخوّف الصحفي الامام بحركة المهدي في السودان ، فردّ عليه رداً قوياً ، وقال له : كفّوا عن تهديدنا وغادروا مصر . وطالب بجلاء جيش الاحتلال ، وبإقامة حاكم جديد في
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 170
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٧٠