مصر على أن يكون مسلماً مصري المولد لمدة سبعة أعوام أوثمانية ، وفي نهاية هذه المدة يحقّ للشعب أن يختار بنفسه من يحكمه ، لسنا نريد ملكاً وانّما نريد زعيماً ، انّنا معشر المصريين نريد الاصلاح ، نريد العدالة ، نريد حاكماً نستطيع احترامه ، دعوا أمتنا تختار زعيمها ، ودعوها تحكم نفسها بنفسها .
هذا الصوت العظيم في مكافحة الاستعمار لايقلّ عنه صوت محمد عبده في الردّ على هانوتو وفي الدفاع عن العقيدة الاسلامية ، مما بهر الغربيين وهزهم وأثار تأملاتهم . . عاد محمد عبده إلى باريس وبعد قليل أغلقت صحيفة العروة الوثقى ، وكلّف جمال الدين محمد عبده بالسفر إلى السودان لإذكاء الثورة المهدية وتوجيهها والإفادة منها في تحرير مصر من الاحتلال ، وسافر محمد عبده سراً إلى تونس ، ومنها إلى مصر خفية ، وقصد السودان ، وفي طريقه إليه توفي المهدي في 21 يونيو 1885 وخلفه التعايشي الذي سلم للانجليز في السودان ، فعدل الامام عن غايته ، وسافر سراً إلى بيروت ، وألّف فيها هو وميرزا محمد باقر « جمعية التأليف والتقريب » للدعوة إلى الاسلام والتعريف به ومقاومة اضطهاد أوروبا للشرق والمسلمين . ودعا محمد عبده كثيراً من المستشرقين ورجال الدين في أوروبا إلى الايمان بالاسلام وأصوله ، وكان قيام هذه الجمعية امتداداً لتعاليم الأفغاني وتفكيره الثوري . وفي أواخر 1888 م عاد محمد عبده من المنفى إلى وطنه ، واتخذ سكناً له في شارع الشيخ ريحان بجوار عابدين ، وكان يقول لأصدقائه : اخترنا هذا المكان لنناطح عابدين وننازلها ، والتفّ حوله أصدقاؤه ومريدوه ينشرون دعوته في الاصلاح الديني والتجديد العقلي والثقافي للوطن وأبنائه ، وأسندت اليه وظائف كثيرة كالإفتاء ، والإشراف على المحاكم الشرعية وإصلاحها ، وعضوية مجلس الأوقاف الاعلى ، وعضوية مجلس شورى القوانين ، والجمعية الخيرية الاسلامية ، وجمعية إحياء الكتب العربية . وكان الأفغاني آنذاك في باريس ، ثم سافر منها إلى الآستانة ، وفيها توفي في صباح الثلاثاء 5 شوال 1314 ه / 9 مارس 1897 م ولم يبق للعالم الاسلامي من موئل سوى محمد عبده وعقله البعيد الأفق ، المنير في ظلمات الخطوب والاحداث .
واستمر محمد عبده في كفاحه الديني والوطني والقومي ، كافح صلف كرومر ، وغرور
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 171
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٧١