عبده ، وإن كان ترك نفحة من النبل والعظمة في كل ما اتصل به .
إنّ الشيخ محمد عبده مصلح جريء ، حاول الهدم والبناء في أقدس هيكل عند البشر ، فيما يعتبره الناس ديناً . أرسل صيحته في الأزهر تدوّي بين شيوخ ، إن لم يكونوا يومئذ هيئة كبار علماء ، فلعلّهم لم يكونوا دون هؤلاء جموداً . ولم يبال الأستاذ بما لقي من الأذى ، وقد لقي من الأذى كثيراً .
* * * وأشهد لقد كان جمال الشيخ محمد عبده من الجنود التي سخّرها الله لعبقريته ، وكان صوته العذب المؤثر من جنود عبقرية أيضاً .
كنت طالباً من صغار الطلاب أيام جاء الشيخ محمد عبده إلى الأزهر ، وكان أساتذتنا عفا الله عنهم لا يفتأون يذمون لنا الشيخ ، ويمثّلونه خطراً على الدين وأهله داهماً ، فتتأثر بذلك عقولنا الطفلة ، وكنت أفرّ بديني من أن ألقى الأستاذ أوالتمع لدروسه مع أنّه صديق لوالدي !
* * * وحضرت درسه مرة لأشهد كيف تشبه وجوه الملحدين ، وتشبه معها عقولهم وقلوبهم ؟ ! فلمّا رأيت الرجل بالرواق العباسي ، وسمعته يفسّر كتاب الله قلت من ذلك اليوم : اللّهم إن كان هذا إلحاداً فأنا أول الملحدين ! !
وقال المرحوم قاسم أمين ، محرر المرأة المصرية ، في وصف الشيخ محمد عبده : بلغت فيه طيبة النفس إلى درجة تكاد تكون غير محدودة ، كان يجذبه الخير كما يجذب المغناطيس الحديد فيندفع إليه ، ويسعى إلى كل نفع للغير ، عام أوخاص . كما يلجأ للفقراء واليتامى والمظلومين . . . والمصابين بأي مصيبة ، وأهل الأزهر الذين هم أكثر الناس احتياجاً إلى المساعدة ، لأنّهم في وسط المدينة الحاضرة ، المتأخّرون العاجزون عن الدفاع عن أنفسهم في ميدان حياتنا الجديدة ، يبذل إليهم ماله ويسعى لهم عند ولاة الأمور بهمّة لا تعرف الملل ، كأنّما كان يسعى لأعزّ إنسان لديه ، بل كان يسعى لصاحب الحاجة
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 148
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٤٨