تشتمل على أمور تفيد مزيد بصيرة في العلم والكتاب .
ونحن - بتوفيقه تعالى - نذكر - من باب المقدّمة - أمورا لعلّها تنفع في الغرض إن شاء اللّه .
الأوّل : أهم شيء يلزم معرفته بادئ بدء أنّ اللّه سبحانه لمّا تعلّقت مشيئته بإيجاد هذا النوع ، وهو المسمّى : بالبشر ، وقضت حكمته أن يعمّر به هذه الكرة الّتي تسمّى : بالأرض ، ويمهّد له فيها وسائل الرقي باختياره إلى مدارج القدس ومعارج السعادة في أولاه وأخراه ، لذلك أودع فيه غرائز وأوضاعا « 1 » ، وفطره على سجايا وطباع ، قمينة « 2 » له بالغرض الّذي خلق من أجله .
فجعل فيه الشهوة ، والغضب ، وما يتشعّب منهما من الحرص ، والطمع ، والطموح ، والتعالي ، وما إلى ذلك ممّا لسنا بصدد إحصائه .
ولكن لمّا كان من لوازم تلك الشناشن « 3 » التغالب والتكالب ، والتشاحن والتطاحن ، وسعي بعض في هلاك بعض ، وحب الإثرة والإمرة ، وكان إرخاء العنان لتلك الغرائز وتركها على رسلها ممّا يعود بنقض الغرض من خلق الإنسان ، لا جرم احتاجت القوّتان إلى قوّة أخرى تكبح طغيانها وتمسك عنانها وتعدّل أوزانها ، فنفخ فيه من روحه القوّة العاقلة ؛ لتكون هي المسيطرة على جماح تلك القوّتين الجبّارتين .
ولمّا كانت قوّة العقل البشري نوعا محدودة ، وحظيرة إدراكاته ضيّقة ، وكثيرا ما تكون في كثير من البشر ضعيفة ، وما أكثر ما تتغلب واحدة من تينك القوّتين على القوّة العاقلة ، فيصبح العقل أسير الهوى والعاطفة ، فكان من
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( أوضاع ) ، والصحيح ما أثبتناه .
( 2 ) قمين : خليق ، وجدير . ( لسان العرب 11 : 310 ) .
( 3 ) الشنشنة : الطبيعة ، والخليقة ، والسجية . ( لسان العرب 7 : 220 ) .