ولم يدع الخلائق هملا « 1 » ، ولم تبطل بموته حجج اللّه وبيناته ، وبراهينه وآياته :
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
« 2 » بل ترك فيهم كتاب اللّه وسنّته ، يستنبط منها العلماء أحكام الوقائع المتجدّدة والقضايا الحادثة .
وهؤلاء العلماء هم المجتهدون ، وإذا كانوا من أهل الورع والصلاح وحصلت لهم ملكة الاستنباط واستفراغ الوسع في الاستخراج ، فهم ورثة الأنبياء ومراجع الأمّة وخلفاء الأئمّة ومصابيح الهدى .
وفي الحديث : « مجاري الأمور بأيدي العلماء » « 3 » « ومدادهم أفضل من دماء الشهداء » « 4 » .
ومن هنا نعرف أنّ الاجتهاد باب رحمة على العباد ، وما زال باب الاجتهاد مفتوحا عند الإماميّة من عهد صاحب الرسالة إلى اليوم .
ولكن هذه القضية بيننا وبين إخواننا المسلمين من بقية المذاهب قد تورّطت بين تفريط وإفراط .
فالإماميّة فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه حتّى أدّى ذلك إلى الفوضى المضرّة ، وصار يدّعيه حتّى من لا يصحّ أن يطلق عليه اسم المتفقّة فضلا عن الفقيه .
هامش
( 1 ) يقال : تركت الماشية هملا ، أي : سدى ترعى بغير راع ليلا ونهارا . ( المصباح المنير 641 ) .
( 2 ) سورة الأنعام 6 : 149 .
( 3 ) البحار 97 : 80 ، بأدنى تفاوت .
( 4 ) ورد الحديث بلفظ : « إذا كان يوم القيامة جمع اللّه عزّ وجلّ الناس في صعيد واحد ، ووضعت الموازين ، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء ، فيرجع مداد العلماء على دماء الشهداء » في البحار 2 : 14 و 7 : 226 .