الجمعة إلى يومنا هذا ، ومن ثمّ ركب من بني سالم ، فجعل كلّما مرّ داراً من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم قائلين : يا رسول اللَّه ، هلمّ إلى القوّة والمنعة ، فيقول صلى الله عليه وآله :
« خلّوا سبيلها
[ أي : ناقته القصواء ] ،
فإنّها مأمورة » « 1 »
، وقد أرخى زمامها ولم يحرّكها ، وهي تنظر يميناً وشمالًا ، حتّى إذا أتت موضع المسجد بركت - وهو يومئذٍ مربد للتمر « 2 » لغلامين يتيمين من الأنصار - ثمّ ثارت ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله عليها ، حتّى بركت على باب دار أبي أيّوب الأنصاري ، ثمّ ثارت منه وبركت في مبركها الأوّل ، وألقت جِرانها « 3 » بالأرض ، وأرزمت « 4 » ، فنزل عنها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قائلًا :
« هذا المنزل إن شاء اللَّه تعالى »
، فاحتمل أبو أيّوب رحله صلى الله عليه وآله ، وأدخله في بيته ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« المرء مع رحله » « 5 » .
ونقل السيوطي عن ابن سعد في « الطبقات الكبرى » عن الزهري : أنّ ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بركت عند موضع المسجد ، وهو يومئذٍ مصلّى لرجال من المسلمين ، وكان مربداً لغلامين يتيمين من الأنصار ، هما سهل وسهيل ، كانا في حِجر أبي أُمامة أسعد بن زرارة ، فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالغلامين ، فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجداً ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول اللَّه ، فأبى النبي صلى الله عليه وآله ذلك ، حتّى ابتاعه منهما بعشرة
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 237 ، إعلام الورى 1 : 154 ، السيرة النبويّة لابن سيّد الناس 1 : 255 ، السيرة النبويّة لابن كثير 2 : 271 و 272 ، تاريخ مكّة لابن الضياء : 265 ، تاريخ المدينة للنهرواني : 75 ، بحار الأنوار 19 : 108 و 123 ، فضائل المدينة المنوّرة 2 : 125 .
( 2 ) المِربَد : الموضع الذي تُحبس فيه الإبل والغنم . ( النهاية الأثيرية 2 : 490 ) .
( 3 ) الجِران : مقدّم عنق البعير من مذبحه إلى منحره ، فإذا برك البعير ومدّ عنقه على الأرض قيل : ألقىجرانه بالأرض . ( المصباح المنير : 97 ) .
( 4 ) أرزمت : صوّتت ، والإرزام : الصوت لا يُفتح به الفم . ( النهاية الأثيرية 2 : 517 ) .
( 5 ) الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 237 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 41 ، تاريخ الطبري 2 : 116 ، إعلام الورى 1 : 155 ، إعلام الساجد : 223 ، تاريخ مكّة لابن الضياء : 265 ، تاريخ المدينة للنهرواني : 75 .