وأجاب عن هذه الطائفة من الروايات - وبالأخصّ صحيحة ابن سنان - بما يلي :
أوّلا : أنّ الصحيحة أجنبية عن المدّعى ؛ لأنّ المنساق منها الحكم بكفر مرتكب الكبيرة الذي يزعم حلّيتها ، أي : أنّ الكفر مترتّب على أمر مركّب ، وهو الارتكاب وزعم الحلّية ، ولا نظر لها إلى بيان حكم من زعم الحلّية من دون ارتكاب المعصية الكبيرة ، فالدليل أخصّ من المدّعى .
وثانياً : أنّه قد ورد في الصحيحة : « وعُذّب أشدّ العذاب » ، وهذه العبارة قرينة على أنّ المراد من قوله عليه السلام :
« من ارتكب كبيرة من الكبائر ، فزعم أنّها حلال . . . »
، هو العالم ؛ إذ الجاهل القاصر لا يُعاقب ، والمقصّر يُعاقب لأجل تقصيره ولا يُعذّب أشدّ العذاب ، فالعذاب الأشد إنّما يكون باعتبار أنّ إنكار الضروري مستلزم لتكذيب النبي صلى الله عليه وآله . وكذا الحكم بخروجه عن الإسلام ، فإنّه ليس لأجل إنكاره الضروري بعنوانه ، بل لأجل أنّ من ردّ حكماً من أحكام النبي صلى الله عليه وآله فهو مكذّب له ، ومن كذّبه صلى الله عليه وآله فهو كافر . فإنكار هذا الحكم بما هو إنكار له لا موضوعية له ، بل هو طريق لبيان أنّه مستلزم لتكذيب صاحب الرسالة ، والحكم بكفر مكذّب النبي صلى الله عليه وآله أوضح من أن ترد فيه رواية .
وإذا قيل : إنّ ذكر أشدّ العقاب يوجب خروج الجاهل القاصر ، ويبقى الجاهل المقصّر تحت الإطلاق .
فإنّه يقال : إنّ حمل الرواية على إرادة خصوص موارد الجهل التقصيري حمل على الفرد النادر ، وهو موهن لإطلاق الرواية . كما أنّ الجاهل المقصّر يُعاقب لتقصيره ، ولا يُعاقب أشدّ العذاب كما تقدّم ، فهو أيضاً خارج عن
المساجد وأحكامها في الشريعة الإسلامية — صفحة 300
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠٠